هل تُسهِم تكنولوجيا المنازل الذكية حقًا في توفير استهلاك الطاقة؟

يومًا بعد آخر يكثر الحديث عن تكنولوجيا المنازل الذكية وتتعدد أمثلة الأجهزة والتطبيقات الجديدة ضمن إنترنت الأشياء مثل ماكينات تحضير القهوة التي تتحدث إلى مستخدميها وتتعلم تفضيلاتهم، وتطبيقات ذكية تتحكم في ألوان الإضاءة، وأفران تعمل قبل وصول سكان المنزل وتُحدد المدة المُلائمة لطهي الطعام. وكثيرًا ما يُوصف هذا التطور بالثورة الرقمية الثانية ويُشار إليه باعتباره عاملًا مُؤثرًا في إحداث تغيير جذري.

ومن بين الأهداف الرئيسية للثورة الجديدة إسهامها في الحد من استهلاك المنازل للطاقة؛ فبمقدور أجهزة الاستشعار إيقاف الإنارة والأجهزة المنزلية عند رصد عدم استخدامها، وتخفيض مستوى التدفئة أثناء فترات النوم، كما تُوفر تطبيقات الهواتف الذكية للأسُر فهمًا أوضح لطبيعة استهلاك أجهزتهم للطاقة.

وبينما تتباين التقديرات بشأن تأثيرها الفعلي، يقول أنصار تكنولوجيا إنترنت الأشياء أن باستطاعتها مساعدة العائلات في تقليل فواتير الطاقة بنسبة تتراوح بين 10 إلى 25%، لكن في الواقع تستند هذه الآراء إلى التخمينات أكثر مما تعتمد على حقائق ومعلومات فعلية؛ بسبب افتقارها لدراسات قوية تُقارن بين الحال قبل استخدامها وبعده.

وتكشف أبحاث اجتماعية من أستراليا والمملكة المتحدة مسارات مختلفة لتأثير إنترنت الأشياء في زيادة الطلب على الطاقة. ويُمكن إيجاز التأثيرات الخفية لإنترنت الأشياء على استهلاك الطاقة في تأثير التحديثات والأجهزة المُبتكَرة وما يتبعها من احتياجات وخدمات جديدة:

أولًا: التحديثات والأجهزة الجديدة:

في الوقت الراهن لا تتوافر تقديرات موثوق بها لتكاليف الطاقة والبيانات المُرتبطة بإنترنت الأشياء، ويرجع ذلك إلى أسباب منها تنوع التأثيرات ضمن المنزل والبنية التحتية للمعلومات المُوزعة والإنتاج والنقل والتخلص من المنتجات.

وعلى سبيل المثال، يُشير أحد التقديرات إلى أن خوادم البيانات التي يعتمد عليها الإنترنت تُنتج مقدارًا من غازات الاحتباس الحراري يُساوي القدر الناتج من قطاع الطيران المسؤول عن 2% من الانبعاثات العالمية. ويتوقع البعض تضاعف استهلاك الخوادم من الكهرباء ثلاث مرات خلال العقد المُقبل. وفي حين لا يزال إنترنت الأشياء يُمثل جزءًا صغيرًا نسبيًا وغير معروف إلى حدٍ كبير من هذا النمو، فمن المُرجح تنامي حصته كثيرًا خلال السنوات التالية.

وكما هو الحال مع الهواتف الذكية والحواسيب عموما تُؤدي تحديثات الأجهزة إلى زيادة حركة البيانات ومن ثم استهلاك الطاقة في مراكز البيانات وشبكات النقل. وربما يتنامى الطلب على الطاقة بفعل الحاجة المُتزايدة إلى مراكز البيانات وغرف التحكم والشبكات في المنازل. وتشغل هذه البنية الصلبة مساحة كما تستهلك طاقة، وقد تحتاج إلى تكييف للهواء بالتبريد أو التدفئة للمُحافظة على عملها الطبيعي.

وربما يُشجع التطوير السريع للبرمجيات الجديدة المُناسبة للأجهزة المنزلية مثل الثلاجات والغسالات على تحديث هذه الأجهزة بمُعدل أكثر انتظامًا كما هو الحال مع أجهزة التلفزيون والحواسيب خلال السنوات الأخيرة.

وعلاوةً على ذلك، يتطلب تصنيع الأجهزة نفسها استهلاك الطاقة، وهو ما يصدق على ترقية الأجهزة الأقدم والتخلص من بعضها، الأمر الذي يُقوض السياسات الرامية للحد من النفايات الإلكترونية، ويُقلل مقدار الطاقة المُضمنة.

ثانيًا: نشأة احتياجات جديدة للطاقة:

مثلما أدت الثورة الصناعية في المنازل إلى ارتفاع توقعات الأشخاص لمستويات النظافة وأدت إلى زيادة الاستهلاك العام من الطاقة والمياه، ربما ترفع أجهزة مثل الترموستات الذكي أو جهاز ضبط درجات الحرارة من مستوى الراحة المُتوقع، ولاسيما عند تصاعد معدل استخدام التدفئة والتبريد في عددٍ أكبر من الغرف.

وتُروج بعض الشركات للتكنولوجيا الذكية في المنازل باعتبارها سبيلًا لتحقيق مزيج من الترف والاسترخاء والمتعة والراحة للسكان. وتتخلل هذه الرؤية أجواء التقنيات المتصلة بالإنترنت وجوانبها الجمالية، ومنها المصابيح التي تستشعر الحالة المزاجية، ونوافير المياه الآلية، ودورات المياه الذكية، والأنظمة السمعية والبصرية على مستوى المنزل بأكمله.

وقد يكون استهلاك هذه الأجهزة والميزات بحد ذاته مُنخفضًا نسبيًا، لكنها في كل الأحوال تُضيف إلى الخدمات القائمة، ومن المُرجح أنها تحتاج إمدادًا احتياطيًا من الطاقة على اتصال دائم بالشبكة ومُعَّد دائمًا للاستخدام.

ويُتوقع زيادة عدد الأجهزة المُتصلة بالإنترنت على المستوى العالمي من عشرة مليارات جهاز في عام 2014 إلى عددٍ يتراوح بين ثلاثين إلى خمسين مليار جهاز بحلول عام 2020. وفي ضوء وجود مليارات الأجهزة المتصلة في العالم خلال المستقبل القريب، فقد يكون لها تأثيرات كبيرة.

كما أن توافر عدد أكبر من الأجهزة وتنوعها قد يقود إلى زيادة مُعدلات استخدامها. وعوضًا عن اجتماع أفراد الأسرة حول جهاز تلفزيون، يستخدم كلٌ منهم في الوقت نفسه حاسبًا لوحيًا أو هاتفًا ذكيًا. وحتى إن كانت الأجهزة تعتمد على البطاريات وتمتاز بالكفاءة في استهلاك الطاقة، فربما تُضيف إلى الطلب العام على الطاقة.

ويشمل ذلك الأجهزة التي يتم التسويق لها باعتبارها مُوفرة في استهلاك الطاقة. ومثلًا تسمح بعض تطبيقات الهواتف الذكية للمستخدمين بإيقاف التدفئة أو التبريد عن بُعد وأثناء وجودهم خارج منازلهم، لكنها تُوفر فرصةً مُماثلة لتشغيل الأجهزة عن بُعد.

وعلاوةً على ذلك، من المُمكن أن تُسهِم زيادة عدد الأجهزة المُتصلة في تصاعد تعقيدات استخدامها، ويُفسح هذا المجال لأجهزة جديدة تدمج التقنيات المستخدمة في المنزل وتُوحدها.

ومنها مثلًا أجهزة المساعدة الافتراضية مثل “إيكو” Echo من “أمازون” و”جوجل هوم” Google Home، وتستطيع هذه الأجهزة إنجاز مهام متنوعة مثل تشغيل المصابيح والموسيقى المُفضلة. وفي حين تستهلك هذه الأجهزة الجديدة في معظم المنازل قدرًا محدودًا من الطاقة، لكنها ترفع احتياجات خوادم البيانات البعيدة من الطاقة.

ثالثًا: ظهور خدمات جديدة:

يترافق تطوير الأجهزة الجديدة مع ظهور خدمات مُبتكَرة مثل إصدارات “ذكية” من الثلاجات ومراتب الأسرة تُتابع الصحة وتُساعد في اتباع أنماط مُحددة للنوم والحمية والعلاج.

كما تستفيد المُعدات الأمنية من إمكانات إنترنت الأشياء لتُوفر للمستخدمين إمكانية مراقبة منازلهم عن بُعد، وتسمح بتشغيل المصابيح والأجهزة لردع اللصوص. كما تُتيح أجهزة وتطبيقات أخرى مشاهدة بث مُباشر بالفيديو عبر الهواتف الذكية والحواسيب اللوحية، بما يسمح للأسر بالاطمئنان على الأطفال والمسنين والحيوانات الأليفة.

وتُضيف هذه الأجهزة إلى الطلب على الطاقة، كما تنقل البيانات وتُشاركها عبر الإنترنت وتُوظف محتوى الوسائط المُتعددة، وهو أحد العناصر الرئيسية في تنامي احتياجات الإنترنت من الطاقة.

وبطبيعة الحال، لا يلغي ذلك الفوائد المختلفة لإنترنت الأشياء وأجهزة المنازل الذكية، لكننا فقط بحاجة إلى منح المزيد من الاهتمام للتأثيرات الخفية لها، وخصوصًا في ظل إقبال الحكومات والأفراد على استخدامها والترويج لها بوصفها وسائل لتوفير الطاقة.

المصدر

مصدر الصورة