هل تُسهِم زيارة محمد بن سلمان لوادي السيليكون في إنجاز الرؤية السعودية لعام 2030؟

بعد مضي أسبوع على بدء زيارة الأمير محمد بن سلمان، ولي ولي عهد المملكة العربية السعودية، إلى الولايات المتحدة الأمريكية استهلها في العاصمة واشنطن، اتجه إلى محطته الثانية؛ وهي مدينة سان فرانسيسكو للاجتماع ببعض كبار المسؤولين في شركات التكنولوجيا، ويتبعها بزيارة إلى نيويورك لعرض الخطة الاقتصادية الجديدة لبلاده أمام مستثمري سوق الأوراق المالية في “وول ستريت”.

وتحتضن سان فرانسيسكو في ولاية كاليفورنيا منطقة وادي السيليكون التي تضم مقرات بعض من أهم شركات التكنولوجيا في العالم منها “آبل” و”جوجل” و”فيسبوك” و”أوراكل” و”سيسكو”، بالإضافة إلى عددٍ من المراكز العلمية البارزة في العلوم والتكنولوجيا.

وتستهدف الزيارة مناقشة سُبل استفادة السعودية من ابتكارات التكنولوجيا. وفي الآونة الأخيرة تكرر اجتماع عدد من رؤساء الدول الزائرين للولايات المتحدة مع مسؤولي شركات التكنولوجيا كما فعل رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي والرئيس الصيني شي جين بينج في سبتمبر/أيلول من العام الفائت.

زيارة وادي السيليكون تعبير عن “رؤية 2030”

يرتبط اجتماع محمد بن سلمان مع مسؤولين في قطاع التكنولوجيا الأمريكي وكذلك مع مديرين في شركات أخرى أساسًا بالخطة الاقتصادية الجديدة للسعودية. ويُشكل الجانب الاقتصادي ركنًا مهمًا في زيارته، ويتمتع ولي ولي العهد بسلطات واسعة في إدارة الملف الاقتصادي، وكشف عن برنامج بلاده للتنمية والتطوير في “رؤية 2030” خلال شهر أبريل/نيسان الماضي، ويرأس “مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية” الذي تأسس مطلع هذا العام، فضلًا عن شغله منصب النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء ووزير الدفاع.

ويُركز التغيير الاقتصادي على خفض الدعم والحد من دور الدولة وتشجيع أنشطة القطاع الخاص وتنويع مصادر الدخل بعيدًا عن النفط، وتستهدف الرؤية الجديدة للمملكة جني مائة مليار دولار من العائدات غير النفطية بحلول عام 2020. وفي هذا الصدد لفت وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، إلى الترحيب الأمريكي بالخطط الاقتصادية للمملكة وتطلعهم إلى التعاون في إنجازها.

وتأتي في مقدمة الفرص الاقتصادية الجديدة التي يعرضها الأمير محمد بن سلمان أثناء زيارته إلى الولايات المتحدة خطة بلاده لخصخصة “شركة الزيت العربية السعودية” أو “أرامكو السعودية” جزئيًا، وطرح جزء من أسهمها في أسواق الأوراق المالية، ليصير أكبر طرح عام للأسهم في التاريخ، ويُتوقع أن تتجاوز قيمته تريليوني دولار.

وتُشكل الخطوة عنصرًا بارزًا في “رؤية 2030”. كما يُتوقع تحقيقها إيرادات كبيرة للسعودية التي أعلنت عجزًا في ميزانيتها هذا العام بسبب تراجع أسعار النفط. وتُعتبر “أرامكو” أكبر شركات النفط في العالم، وتفوق احتياطاتها من النفط الخام 15% من الاحتياطي العالمي.

اجتماعات سياسية واقتصادية

تُفسر “رؤية 2030” ومرحلتها الأولى المُتمثلة في “برنامج التحول الوطني”، الذي أعُلن في السابع من الشهر الجاري، أهمية الملف الاقتصادي في برنامج محمد بن سلمان في الولايات المتحدة. ومثلما شهدت الزيارة، منذ بدايتها في الثالث عشر من الشهر الجاري، اجتماعات سياسية رفيعة المستوى، لم تغب عنها الاجتماعات ذات التوجه الاقتصادي مع مسؤولين في الحكومة والقطاع الخاص الأمريكي.

وتضمنت الزيارة اجتماعًا مع الرئيس الأمريكي باراك أوباما، وكذلك مع وزير الخارجية جون كيري، ووزير الدفاع آشتون كارتر، كما زار بن سلمان “وكالة المخابرات المركزية” والتقي مديرها جون برينان. وتناولت الاجتماعات النزاعات الجارية في سوريا واليمن وليبيا، والتعاون الأمني، والخلافات مع إيران، وتأتي في ظل حساسية العلاقة بين البلدين التي وصفها الرئيس الأمريكي سابقًا بالمعقدة، وكذلك في ظل مطالبات بالكشف عن أجزاء تتعلق بالسعودية في تقرير عن أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2011، واتهامات للسعودية بعدم قيامها بما يكفي لمحاربة التطرف.

وفي جانب الاقتصاد والأعمال اجتمع ولي ولي العهد السعودي مع وزير الخزانة جاكوب ليو، ووزير التجارة بيني بريتزكر، ومدير “المجلس الاقتصادي الوطني” ومسؤولين من غرفة التجارة الأمريكية وشركات كبرى.

ماذا بعد الاستثمار السعودي في “أوبر”؟

تأتي زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى شركات التكنولوجية الأمريكية بعد أسبوعين تقريبًا من الإعلان عن استثمار سعودي في شركة “أوبر”، التي تُقدم خدمة طلب السيارات عبر الهواتف الذكية، بقيمة 3.5 مليار دولار قدمها “صندوق الاستثمارات العامة” السعودي، ما أدى إلى ارتفاع قيمة الشركة إلى 62.5 مليار ولار، وبمُوجب الصفقة اكتسب ياسر الرميان، المدير العام لصندوق الاستثمارات العامة، مقعدًا في مجلس إدارة “أوبر”.

وتناولت تقارير وسائل الإعلام السعودية توقعات عقد اتفاقات أخرى خلال زيارة الأمير محمد بن سلمان، ولا تزال المفاوضات جارية مع شركة “آبل” بشأن عملها في السوق السعودي.

وخلال زيارته إلى الولايات المتحدة التقى محمد بن سلمان ممثلين من شركة “بوينج” و”لوكهيد مارتن” و”رايثيون” لمناقشة توسيع منشآت الإنتاج العسكري في السعودية. كما أعطى ترخيصًا بالاستثمار لشركة “داو كيمكال” المُتخصصة في صناعة الكيماويات، ومن المُتوقع تقديم تراخيص مُماثلة لشركتيّ “فايزر” للأدوية وتكتل “ثري إم” خلال المستقبل القريب.

وربما تكمن أهمية الكثير من هذه الاتفاقات سواءً كانت في مجال الدفاع أو التكنولوجيا في إتاحتها المجال لنقل التكنولوجيا ونشر الحماس لريادة الأعمال والمشروعات الخاصة. ويتعين على السعودية تأسيس صناعات جديدة إذا ما رغبت في توفير فرص العمل في القطاع الخاص التي ستحتاج إليها خلال السنوات المُقبلة، كما جاء في تقرير لموقع “فوربس”.

وفي ذلك تُواجه البلاد مشكلات منها ضعف صناعة التكنولوجيا المحلية، وميل كثير من المواطنين للإحجام عن المخاطرة في المشروعات التجارية وتفضيلهم الرواتب الجيدة والاستقرار في وظائف القطاع العام الأقل صعوبة، وهي وظائف لم يعُد باستطاعة الدولة توفيرها بالقدر الكافي.

ومع ذلك، فلن يكون جذب شركات التكنولوجيا تحديدًا بالمهمة السهلة على الرغم من أن السعودية تُمثل الاقتصاد الأكبر في منطقة الشرق الأوسط، ويبلغ حجم ناتجها الإجمالي المحلي 618 مليار دولار، ويصل عدد سكانها إلى 31 مليون نسمة ثلثهم من العمالة الأجنبية. وتبدو المراكز الاقتصادية الأخرى في منطقة الخليج مثل دبي وأبوظبي وقطر أكثر نجاحًا في اجتذاب المشروعات الناشئة.

وعند الإعلان عن الاستثمار السعودي في “أوبر” قال الرئيس التنفيذي للشركة والمؤسس المشارك فيها، ترافيس كالانيك، أن “أوبر” تتطلع إلى “الشراكة مع المملكة لدعم إصلاحاتها الاقتصادية والاجتماعية”.

وحتى الآن لم يتبين ما إذا كانت الشركات الأخرى ستسير على نهج “أوبر” وتتقبل العمل في المملكة المعروفة بأسلوبها المُحافظ. وربما تلعب الاستثمارات الضخمة للحكومة السعودية في شركات التكنولوجيا دورًا محوريًا في تيسير اتفاقات مُماثلة. وتمتلك السعودية “صندوق الاستثمارات العامة” بهدف استثمار إيرادات النفط.

مصدر الصورة