هل تُفرط الحكومات في الاحتفاظ بالبيانات؟

قبل فترة طويلة من موجة الاهتمام بالبيانات الضخمة في الشركات، بدأت مؤسسات القطاع العام جمع مختلف أنواع البيانات وتكديسها؛ سعيًا لتحقيق الكفاءة وتحسين خدماتها وجودة حياة المواطنين.

واتبع هذا النوع من جمع البيانات سواءً قبل ظهور الوسائل الرقمية أم بعدها منطقًا قديمًا يرى أن من الأفضل امتلاك شيء دون الحاجة إليه بدلًا من الافتقار إلى شيء عندما يكون ضروريًا. لكن في واقع الأمر، إذا لم تتمتع المؤسسات الحكومية بدرجة كافية من الحرص والعناية، ربما يُقلل تكديس البيانات من الإنتاجية والكفاءة خلافًا لما تنشده.

وتمتلئ قواعد البيانات الحكومية بفئات مختلفة من بيانات حالة المرور إلى إحصاءات اقتناء الحيوانات الأليفة، وتفتقر الكثير من المؤسسات إلى الموارد الكافية سواءً من الموظفين أم البنية التحتية للمحافظة على هذه المعلومات وتحليلها. ونسبت تقارير إلى مُحللي البيانات في القطاع العام قضائهم 47% من وقت العمل في جمع البيانات وتنظيمها، بينما ينال تحليل البيانات واستخلاص خطط مفيدة وعملية منها أقل من ثلث وقت العمل.

ومن بين الأسباب الرئيسية التي تقف وراء تكديس البيانات تجزئة القطاع العام؛ إذ تحتفظ كل إدارة ببياناتها في أنظمتها الخاصة معزولة عن غيرها، وفي مُعظم الحالات لا يُمكن مُقارنة مجموعات البيانات معًا أو تحليلها. ونتيجةً لذلك، قد يضطر المحللون إلى جمع تقارير من الأنظمة المختلفة في جداول للبيانات، وهي عملية يدوية مُرهقة تستغرق الكثير من الوقت ويُطلق عليها كثيرون اسم “جحيم إكسل” Excel Hell.

وبدلًا من اعتبار هذا الأسلوب المرهق والصعب للتعامل مع البيانات أمرًا واقعًا، يحتاج مديرو المؤسسات إلى تبني خطة استراتيجية للمستقبل لتيسير جمع البيانات وتخزينها وتحليلها، ما يعني أن على الحكومات أن تتعلم سريعًا كيفية تحديد البيانات الجيدة والسيئة وتصنيفها.

وقد يُمهد ذلك السبيل لوصول أشمل إلى البيانات، وتحليلات أفضل، وتوفير في المال. وبالفعل وفرت الحكومة الأمريكية أكثر من مليار دولار حين أغلقت 1200 من مراكز البيانات سعيًا للحد من تكرار البيانات والتجزئة والإهدار.

ويُفترض أن ترمي الخطة الاستراتيجية الجيدة إلى غاية نهائية تتمثل في التنسيق بين الأهداف والنتائج الرئيسية بأنجع السبل الممكنة. ويتأتي ذلك من خلال التحديد الدقيق لأي البيانات ترتبط بالأهداف الأساسية للمنظمة، ومن ثم وضع إطار زمني مثالي لاستخلاص تلك البيانات. وأحيانًا يقود التعمق في البيانات القديمة إلى التأثير سلبًا على دقة التحليلات لأسبابٍ منها تغير العوامل الاقتصادية المُؤثرة.

وبالتالي من المهم أن يحتفظ واضعو الاستراتيجيات بخطط تُحدد البيانات المهمة، وتلك التي ينبغي أرشفتها. ويُساعد تحديد جدول زمني في تطوير فهم عام على مستوى المنظمة ككل للأولويات والأهداف، بما لا يجعل القياس وجمع البيانات هدفًا بحد ذاته.

وعلى سبيل المثال، سعت حكومة إحدى المقاطعات في الولايات المتحدة لفهم إنفاقها المُخصص للقوى العاملة ولاسيما الأجور الإضافية. وبينما توجد معلومات الرواتب في نظام واحد، يضم نظام منفصل معلومات عن أوقات حضور الموظفين وانصرافهم، ما يجعل من المستحيل تقريبًا استخلاص معلومات مهمة من هذا الزحام.

لكن من خلال تحديد البيانات التاريخية والتشغيلية المهمة أكثر من غيرها، تمكنت المقاطعة من استبعاد البيانات غير الضرورية. ولا يسمح ذلك فقط بتحديد نمط الأجور، بل أيضًا بالتوصل إلى رؤى عملية حول التخطيط للمستقبل وتنفيذ اهدافها الاستراتيجية، وتسجيل البيانات المهمة فقط وفقًا لهذه الأهداف.

ويصعب الاختلاف على أهمة البيانات، لكن تزيد أهميتها حال كانت حديثة ومتصلة بالعمل وعالية الجودة ويسهل الوصول إليها. ونادرًا ما كان الاحتفاظ بكل شيء لحالات الطوارئ خيارًا جيدًا، بل على العكس قد ينتهي إلى تحليلات قديمة وتفتقر إلى الدقة، وجمعيها أسباب قوية تدفع الحكومات إلى التخلي عن عادة تكديس البيانات.

المصدر

مصدر الصورة