هل تُقدم شركة “ألفابت” على بناء مدن ذكية؟

ربما تخوض “ألفابت”، الشركة الأم المالكة لشركة “جوجل”، قريبًا تجربة جديدة طموحة في تطوير العقارات وتشييد المدن. وخلال الأسابيع المُقبلة سيبحث مسؤولوها اقتراح وحدة “سايدووك لابز” Sidewalk Labs للتكنولوجيا الحضرية تطوير مناطق ضخمة للإسكان ومكاتب العمل وتجارة التجزئة ضمن مدن قائمة بالفعل.

ونسب تقرير لصحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية إلى مصادر مُطلعة قولهم أن وحدة “سايدووك لابز” تضع اللمسات الأخيرة على خطتها الجديدة. ووفقًا للتصور الأولي ستبحث الشركة، ربما من خلال تلقي العطاءات، عن مساحات واسعة من الأرض قد تُعاني من الناحية الاقتصادية وترغب المدن في إعادة تطويرها، وبعدها ستبدأ “سايدووك لابز” في تشييد مناطق من المُرجح أن تضم عشرات الآلاف من السكان والموظفين وأن تحمل بصمات التكنولوجيا في مختلف أرجائها.

وذكرت المصادر أن الهدف يكمن في توفير ميدان إثبات لأفكار مدن المستقبل، ومجال لعرض واختبار أفكار تتنوع بين السيارات ذاتية القيادة والبنية التحتية الأكثر كفاءة للكهرباء والمياه.

وحتى الآن لم تتضح سوى تفاصيل قليلة عن مسعى “ألفابت” الذي تناوله للمرة الأولى موقع “ذي إنفورميشن” لأخبار التكنولوجيا في الشهر الماضي. كما لم يتبين بعد الطرف المسؤول عن تمويل هذه المشروعات، وهي تكاليف تصل إلى عشرات المليارات من الدولارات؛ نظرًا لأن مشروعات التنمية الحضرية واسعة النطاق تتطلب استثمارات أطراف خارجية على مدار سنوات أو عقود.

وعلاوةً على التكلفة يبرز جانب الاستقلال أو الحكم الذاتي الذي ستسعى إليه “سايدووك لابز”، ويعني التحرر من الالتزام بالكثير من لوائح المدن، بما يسمح لها بالبناء دون قيود تُنظم انتظار السيارات وتصميم الشوارع والمرافق، بحسب ما أفادت المصادر نفسها.

وفي حال أقرت “ألفابت” الخطة الطموحة، فسينضم المشروع الجديد إلى أمثاله من الاستثمارات المغامرة وغير المعتادة لشركة كان البحث على الإنترنت مجال عملها الرئيسي، ومن هذه المغامرات السيارات ذاتية القيادة والروبوتات والأبحاث الطبية.

وتأسست وحدة “سايدووك لابز” خلال عام 2015، وترجع فكرتها إلى الرئيس التنفيذي لشركة “ألفابت”، لاري بيج، والرئيس التنفيذي لشركة “سايدووك لابز”، دانيل دوكتوروف الذي شغل منصب نائب عمدة نيويورك للتنمية الاقتصادية وإعادة البناء خلال السنوات الست الأولى من ولاية العمدة السابق مايكل بلومبرج.

وأثناء عمله في حكومة مدينة نيويورك، عُرف دكتوروف بأسلوبه التكنوقراطي في الإدارة الحكومية وطموحاته الضخمة للتطوير ومنها تحويل مناطق صناعية سابقة في منطقتيّ مانهاتن وبروكلين إلى أحياء سكنية، وشُيدت فيهما أبراج المكاتب والشقق سريعًا خلال العقد الماضي. ولاحقًا انتقل دكتوروف لإدارة شركة بلومبرج. وفي العام الماضي أسس “سايدووك لابز” كشركة تُوظف التكنولوجيا للمساعدة في تغيير المدن.

وخلال الأشهر الماضية تعاون دكتوروف مع مجموعة من المستشارين والموظفين السابقين ممن رافقوه أثناء عمله في مدينة نيويورك من أجل استكمال مبادرة بناء المدن. وألمح إلى طموحه خلال حديث في “جامعة نيويورك” خلال شهر فبراير/شباط الماضي.

وقال دكتوروف: “ماذا ستفعل إذا استطعت في الواقع إنشاء مدينة من الصفر؟ كيف تُفكر في الأسس التكنولوجية؟”. وأرجع أسباب إخفاق المساعي السابقة لبناء مدن ذكية أو مناطق تدمج التكنولوجيا في مختلف مرافقها إلى أن المعنيين بالتخطيط الحضري والمسؤولين التنفيذيين في قطاع التكنولوجيا لا يفهمون بعضهم البعض. واعتبر دكتوروف أن ذلك هو ما يجعل الجمع بين “جوجل” بتركيزها على التكنولوجيا وبينه باهتمامه بنوعية الحياة والتحضر مزيجًا فريدًا، بحسب ما قال.

وفي حال أقدمت “ألفابت” على خوض مجال التشييد الحضري فستُواجه تحديات منها قائمة طويلة من الإخفاقات وخيبات الأمل يموج بها تاريخ بناء المدن ومشروعات التنمية الحضرية واسعة النطاق. ويُنظر إلى المدن التي شُيدت من الصفر أو البدء مثل برازيليا في البرازيل وكانبرا في أستراليا كمدن جافة وخالية من الحيوية مُقارنةً بالمدن ذات النشأة الطبيعية الأصيلة.

وقال أستاذ التاريخ في “جامعة ديباو” الأمريكية، جلين كويكر: “يُمكنك بناء مدينة من الصفر ونسخ ومُحاكاة السمات العظيمة للمدن”. ودرس كويكر مدينة سونجدو القريبة من العاصمة الكورية الجنوبية سيؤول وغيرها من المدن الذكية، وقال أنها لا تزال أماكن مُصطنعة جدًا ومجدبة.

وفي كثيرٍ من الأحيان نُعاني المشروعات الضخمة للتنمية الحضرية داخل المدن من التأخير المتكرر في التنفيذ والإخفاق، ومن أمثلة ذلك مشروع “باتري بارك سيتي” Battery Park City في مانهاتن السفلى في نيويورك الذي استغرق أربعة عقود وشارف على الإفلاس عند إتمامه، وكذلك “بلايا فيستا” Playa Vista القريب شمالي المطار في لوس أنجليس.

ويرجع ذلك إلى مواجهة المعنيين بالتخطيط الحضري والمطورين العقاريين عقبات لا تقتصر على تقلبات السوق، بل تشمل أيضًا الديناميكيات السياسية التي تتغير كثيرًا. وقالت أستاذة تخطيط المدن في “جامعة بنسلفانيا”، أوجيني بيرش: “لديك معوقات سياسية، ومعوقات اقتصادية، وأحيانًا يُضاف إليها معوقات بيئية”.

وخلال عمله في إدارة مدينة نيويورك واجه دكتوروف بعض هذه الرياح المعاكسة، وحينها جمع عددً لا يُحصى من الأفكار التي تراكمت وعلاها الغبار لسنوات في خزائن المتخصصين بالتخطيط الحضري، وحاول تنفيذها. ونجحت الكثير من هذه الأفكار ومنها إعادة تخصيص أقصى الجانب الغربي من مانهاتن الذي تحول حاليًا إلى منطقة مكاتب يخدمها امتداد لقطار الأنفاق، وكذلك إعادة تخصيص في بروكلين أسفرت عن آلاف الوحدات السكنية الجديدة.

ووصفه روبرت ليبر الذي عمل معه في حكومة مدينة نيويورك قبل أن يخلفه كنائب لعمدة المدينة أنه تجاسر دائمًا على الأحلام الكبيرة. ويعتبر البعض ممن يعرفونه أن السياسات التشريعية مثلت إحدى نقاط ضعف دكتوروف خلال عمله الحكومي؛ إذ رفض مشرعو الولاية خطتيه الكبيرتين لتشييد استاد رياضي وفرض رسوم ازدحام المرور على السائقين في منطقة مانهاتن.

الصورة