هل تُلحق البيانات الضخمة الضرر بالمجتمعات الفقيرة أحيانًا؟

تستطيع البيانات الضخمة الإسهام في حل مشكلات ضخمة ومُعقدة في مجالات مختلفة، ويصعب إنكار دورها في مساعدة الشركات في خفض النفقات، والمدن في تخطيطها للتنمية، ووكالات الاستخبارات في العثور على صلات خفية بين المُشتبه بهم والجماعات الإرهابية، فضلًا عن أثرها في مساعدة قطاع الصحة على التنبؤ بتفشي الأمراض، وقوات الشرطة على استباق الخطط الإجرامية. وتتزايد النصائح المُوجهة لمُتخذي القرار بالاستماع إلى البيانات، والاختيار استنادًا على نتائج خوارزميات متطورة.

لكن حين تتعلق البيانات الضخمة بالبشر، ولاسيما أولئك الذين يفتقرون إلى أصوات قوية وواضحة تُعبر عنهم، قد تتحول الخوارزميات إلى أدوات للظلم بدلًا من أن تكون وسائل للتحرر، وتُسهِم في عزل بعض الفئات والانتقاص من حقوقها المحدودة أصلًا، بحسب ما تناول مقال في موقع “ذي أتلانتيك”.

وبالنسبة للكثير من الفقراء في الولايات المتحدة الأمريكية، قد تُعيق البيانات التي تجمعها عنهم الكثير من المؤسسات وفي كل مجال مساعيهم للهروب من فخ الفقر. وتُعد المجتمعات ذات الدخول المنخفضة من بين المجتمعات الأكثر خضوعًا للمراقبة في الولايات المتحدة.

وبحسب أستاذة القانون في “جامعة بالتيمور” والمحامية السابقة في مجال الحقوق المدنية في وزارة العدل الأمريكية، ميشيل جيلمان، لا تقتصر المراقبة على الشركات، بل تجمع برامج النفع العام وأنظمة رعاية الأطفال وبرامج مراقبة المتهمين بارتكاب العنف الأسري قدرًا ضخمًا من البيانات حول مستخدميها والمتعاملين معها، ويُشكل الفقراء على نحوٍ غير مُتناسب الجانب الأكبر من هؤلاء.

وفي بعض الأماكن يُشترط لتأهل المتقدمين للحصول على فوائد مثل القسائم الغذائية إجراء فحص لبصمات الأصابع واختبار تعاطي المخدرات. وبعد البدء في الحصول على هذه الميزات يُراقب المسؤولون المتلقين للتأكد من كيفية إنفاقهم المال، وأحيانًا ما يزرون منازلهم للتحقق من أحوالهم.

وأحيانًا ما تنتهي البيانات التي تجمعها تلك الجهات إلى أنظمة الشرطة، ما يقود إلى دائرة أوسع من المراقبة. وقالت جيلمان: “تصير جزءًا من تدفق معلومات البيانات الضخمة التي لا يُدرك معظم الأشخاص حصارهم داخلها، لكن لها تأثيرات ملموسة حقًا على الفرص”.

وبمجرد ورود معلومة عن اتهام أو اعتقال سابق في سجل أحد الأشخاص، يُواجه صعوبات أكبر في الحصول على وظيفة أو قرض أو استئجار منزل. ولا يرجع هذا بالضرورة إلى تجاهل المسؤولين عن منح القروض أو تأجير العقارات المتقدمين ممن لديهم تاريخ سابق مع اتهامات الشرطة، لكن أنظمة الحاسب المسؤولة عن تحليل قدر ضخم من السير الذاتية وطلبات الحصول على قروض غالبًا ما تستبعد البعض بناءً على خلافاتهم مع الشرطة.

ويرى الأستاذ والباحث في الأخلاقيات والقانون والتكنولوجيا في “جامعة أوتاوا” الكندية، إيان كير، أنه حين تتوصل أنظمة البيانات الضخمة إلى توقعات تتسبب في حرمان الأشخاص من فرصٍ مفيدة مثل الوظائف والقروض، فإنها تنتهك المبدأ القانوني الخاص بالبراءة المُفترضة.

وقال كير أن مبدأ “براءة المتهم لحين ثبوت الإدانة” تدعمه حقوق الأشخاص في التقاضي، ومنها حقهم في جلسات الاستماع أو المرافعات، ومشاركتهم في جلسات الاستماع، وحقهم في معرفة المعلومات التي تُجمع عنهم، وحقهم في الطعن فيها. وتابع كير أن اعتماد اتخاذ القرارات على البيانات الغامضة أو ما يُسميه “العدالة الخوارزمية” يُدمر تدريجيًا بعض تلك الحقوق.

وتُساعد جيلمان بالتعاون مع طلابها بعض الأشخاص على محو تاريخ اتهامات الشرطة من ملفاتهم، وفي إحدى الحالات ساعدت رجلًا أمريكيًا من أصل أفريقي دون مأوى أُلقي القبض عليه أربع عشرة مرة، كانت في أغلب الأحوال بسبب عدم امتلاك منزل دائم والتسكع، ولم تؤد أيٌ منها إلى إدانته. وساعده الفريق في استكمال الأوراق اللازمة ومحو مرات الاعتقال السابقة.

ومع ذلك، فإن إزالة مرات الاعتقال من سجل أحد الأشخاص لا تُحدث فارقًا في جميع الأحوال. وحين يجري محو تاريخ الاعتقال، فإنه يختفي من قاعدة البيانات العامة التي يُمكن البحث فيها للولاية ذات الصلة، لكن تستمر إمكانية الحصول على الأخطاء والمعلومات القديمة من قواعد أخرى للبيانات حتى حين تُصوب رسميًا. ومثلًا إذا ما جرت مشاركة سجلات الاعتقال مع وسيط خاص للبيانات، ربما لا يتلقى الوسيط إخطارًا عند تغييرها أو تصويبها لاحقًا.

وفي مثل هذه الحالات تتبع الولايات الأمريكية قواعد المعلومات العادلة التي تسمح للأشخاص بالإطلاع على المعلومات التي جُمعت عنهم وتصويب الأخطاء أو تحديث السجلات. لكن ذلك قد لا يُحدث أثرًا ملموسًا في غياب طريقة للإسهام أو الإشراف على استخدامها الفعلي لاحقًا، كما قال كير.

وجذبت مخاطر البيانات الضخمة اهتمام “لجنة التجارة الاتحادية” الأمريكية، ونظمت ورشة عمل حول المسألة في شهر سبتمبر/أيلول الماضي، وناقشت إمكانية شمول تحليل البيانات الضخمة أو استبعاده لمجموعات معينة. وحذر بعض المشاركين من احتمال حرمان الخوارزميات بعض الأشخاص من فرصٍ مهمة استنادًا على تصرفات آخرين. وفي إحدى الحالات خفضت شركة للبطاقات الائتمانية حد الائتمان لبعض المستهلكين؛ نظرًا لأن آخرين ممن يتسوقون في المتاجر ذاتها سبق لهم التأخر في سداد الفواتير.

وفي الوقت ذاته، لفت المشاركون إلى اختلاف النتائج مع اختلاف طريقة تطبيق تحليلات البيانات الضخمة بما يُحولها إلى نفع المجتمعات ذات الدخل المُنخفض. وعلى سبيل المثال، جمعت بعض الشركات وحللت بيانات مُتاحة علنًا لحساب السجل الائتماني لأشخاص لم يمتلكوا سجلًا سابقًا، وبذلك نال أشخاص لديهم رخصة مهنية ويُسددون الإيجار بانتظام ويمتلكون سيارة فرصًا أفضل لخيارات الائتمان.

ومن دون شك يُمكن للخوارزميات مساعدة البشر في اتخاذ قرارات صعبة على نحوٍ أكثر كفاءة ودقة، وتتمتع البيانات الضخمة بالقدرة على تحسين حياة الأشخاص، وتتعدد النماذج على هذا الدور، لكن غياب اللمسة الإنسانية قد يعزل بعض الفئات التي تُوجد أصلًا على هوامش المجتمع.

مصدر الصورة