هل حان الوقت للتخلي عن اقتناء السيارات الخاصة؟

صُممت السيارات كوسيلة للتنقل، إلا أنها تقف 96% من عمرها، فضلًا عن توقفها أثناء السير بسبب ازدحام الطرق. وتتجلى المفارقة بالنظر على الإقبال على اقتناء السيارات أكثر من أي وقت مضى في مُقابل تراجع معدلات استخدامها فعليًا. وللوهلة الأولى يبدو ذلك في صالح البيئة والصحة العامة ويحد من الازدحام، إلا أن اقتناء السيارات في الواقع يزيد التكدس ويُهدر موارد مالية ويضر بالصحة.

ولا يقتصر الإهدار على أثمان السيارات، بل يشمل أيضًا البنى التحتية العامة والخاصة الضرورية لتصميم السيارات والتنقيب عن المواد الخام والتصنيع والشحن والبيع، ثم توفير الوقود وتخزين السيارات وتأمينها، وسداد أقساط شركات التأمين وتنظيم النقل والصيانة والتنظيف والإصلاح، والتخلص من السيارات القديمة.

وفي بعض الأحيان تُعبِر السيارات الخاصة عن إفراط في الاستهلاك لا يزيد بالضرورة سعادة البشر. ويُقدم تراجع معدل استخدام السيارات فرصةً ثمينة لتغيير أنماط اقتناء السيارات وقيادتها بما يتوافق مع الاحتياجات الفعلية، ويسمح بتخطيط جديد للمدن لا يتمحور حول السيارات الخاصة.

وبينما تستمر النظرة إلى السيارات كوسيلة مريحة وسريعة للمواصلات، يخالفها الواقع إلى حدٍ ما؛ وتُعد السيارات وسيلة غير فعّالة للانتقال بين نقطة وأخرى، وعادةً تتحول 20% فقط من الطاقة الناتجة عن احتراق الوقود إلى حركة. وبافتراض أن السيارة العادية تزن في المتوسط عشرين مرة ضعف وزن سائقها، حينها تقل كفاءة الوقود الفعال لسيارة تحمل راكبًا واحدًا دون حمولة كبيرة إلى 1%،  وتزيد إلى 2% عند إضافة راكب آخر، وذلك كله قبل احتساب الموارد والبنية التحتية اللازمة لسير السيارات.

وفيما يخص السرعة، لا تُعتبر السيارات سريعة بالنظر إلى وقت التنقل ووقت العمل اللازم لسداد ثمن السيارة وتشغيلها، وتقل متوسط السرعة الفعّالة للسيارات في المدن عن 13 كيلومتر في الساعة، ما يُطلق عليه “مفارقة السرعة الحضرية”. ومنذ ما يزيد عن عقد تتناقص متوسط المسافة التي يقطعها كل شخص بالسيارة، وكذلك الحال لمتوسط سرعة القيادة في المناطق الحضرية، كما يتراجع معدل إصدار التراخيص الجديدة.

وأشارت مديرة الاتجاهات المستقبلية في شركة “فورد”، شيريل كونيلي، إلى أن السيارات لم تعُد رمزًا للحرية لهذا الجيل كما كانت عليه لجيل طفرة المواليد بعد الحرب العالمية الثانية. وفي الوقت نفسه أزال انتشار برامج مشاركة السيارات الوصمة التقليدية المرتبطة بالإيجار، ويُثمن الشباب الآن الحصول على وسيلة للتنقل أكثر من اهتمامهم باقتناء السيارات.

وبالتأكيد تظل السيارات خيارًا ملائمًا ومفيدًا في بعض الأوقات، لكنها تبدو أكثر مما يلزم للوفاء بأغراض التنقل الحضري عمومًا، ما يجعلها أشبه باستخدام منشار مُتطور لقطع الزيدة.

وتشهد الكثير من المناطق الحضرية حول العالم تحولًا سريعًا بعيدًا عن السيارات الخاصة باعتبارها الشكل السائد للنقل، وتتخلى بعض الأحياء عن السيارات وتُعيد تخصيص المساحات العامة لوسائل النقل العام أو الدراجات وسير المشاة. ومثلًا أعدت مدينة بورت فيليب الأسترالية خطةً لمعالجة نمو اقتناء السيارات مع تضاعف أعداد السكان، وخصصت مئات من أماكن الانتظار لبرامج مشاركة السيارات، وتحل كل سيارة في برامج المشاركة مكانة ما يصل إلى 14 سيارة خاصة، وتُقلل تكاليف التنقل الشخصي بنسبة تصل إلى 60%.

كما تتطور أشكال أخرى للنقل المُشترك مثل تقاسم الدراجات. وارتفع عدد المدن التي تُوفر برامج مشاركة الدراجات من 68 مدينة في عام 2007 إلى 850 في عام 2014. وهناك تجارب جيدة لشبكات المواصلات المتكاملة ومشروعات التطوير الحضري الخالية أو شبه الخالية من السيارات وزيادة في وسائل المواصلات العامة ودعم جمعيات السيارات والأعمال للاستثمار في المواصلات العامة والنشطة.

ولا يعني ما سبق تعدادًا لعيوب السيارات أو دعوة لانتهاء عصر السيارات الخاصة، بل يدعو للبحث عن أشكال جديدة لتنظيم النقل الحضري تتماشى مع الاحتياجات الحالية والعيش المُستدام والتساؤل عن المستوى المثالي لملكية السيارات الذي يسمح بجني فوائدها والسلامة من الإهدار والأضرار.

المصدر

الصورة