هل ستكون السيارات ذاتية القيادة صديقة للبيئة؟

خلال السنوات القليلة المُقبلة يُتوقع تنامي دور أدوات القيادة الآلية أو المستقلة في السيارات الحديثة، وربما يصل الأمر إلى السيارات ذاتية القيادة كليًا في غضون عشرين عامًا. وبالتأكيد سيكون لهذه التطورات ولانتشار السيارات ذاتية القيادة على نطاقٍ واسع آثارها الإيجابية والسلبية على استهلاك الطاقة وانبعاثات الغازات من خلال تغير طبيعة الطلب على السفر البري وتصميم السيارات وعملها والاختيارات بين أنواع الوقود ونمط الملكية.

وتناول الأستاذ المُشارك في “جامعة ليدز” البريطانية، ضياء ودود، في دراسة مشتركة التأثيرات المُحتملة للسيارات ذاتية القيادة وتقنيات القيادة الآلية على استخدام الطاقة والبيئة، وعرض بعضًا من نتائجها في مقال بعنوان: “هل ستُقلل السيارات ذاتية القيادة استهلاك الطاقة وتجعل السفر أفضل للبيئة؟”.

طرق مختلفة لتوفير استهلاك الطاقة

توصل البحث إلى أن الانتشار الواسع لاستخدام السيارات ذاتية القيادة قد يُسهِم في الحد من استهلاك الطاقة عبر سبل مختلفة، ومنها على الطرق السريعة إذ يُمكن للسيارات الآلية التفاعل معًا ومن ثم السير على مسافة قريبة من بعضها البعض، ويُمكن لهذا الأمر التقليل من الاستهلاك الإجمالي للطاقة على الطرق بنسسبة تتراوح بين 4 إلى 25%؛ نظرًا لأن المركبات التي تتبع بعضها عن قرب تُواجه قدرًا أقل من مقاومة الهواء.

وبالإضافة إلى ذلك يسمح تفاعل المركبات مع بعضها البعض ومع البنية التحتية للطرق مثل أنظمة إدارة المرور بتدفق أفضل للمرور، وبالتالي تقليل الازدحام والحد من استهلاك الطاقة بنسبة تصل إلى 4%. كما يُمكن لأسلوب القيادة الصديق للبيئة الآلي للسيارات، الذي يتحكم في السرعة والتسارع بهدف تحقيق كفاءة استهلاك الوقود، تخفيض استخدام الطاقة بنسبة تصل إلى 20%.

كما أن التنقل في سيارة ذاتية القيادة يعني تخلي السائقين أو بالأحرى الركاب عن التحكم فيها والاستمتاع بالتصاعد السريعة لسرعتها، وكنتيجة لذلك ربما تتلاشى الحاجة إلى توفير مُحركات أكثر قوة. وفي ظل التوقعات بتحسينات جذرية في معايير سلامة السيارات ذاتية القيادة فقد يجري التخلص من بعض ميزات السلامة ثقيلة الوزن، ما قد يجعل السيارات الجديدة أخف وزنًا. ويُمكن لكلٍ من هذه التغييرات تقليل استهلاك الطاقة بنسبة تصل إلى 23%.

وبذلك تظهر الكثير من التأثيرات الإيجابية للسيارات ذاتية القيادة، وتُحسَّن جميع هذه الآليات من طريقة حركة السيارة، لكن مصلحة المجتمع تكمن في خفض الاستهلاك العام للطاقة أو الابنعاثات الإجمالية للكربون، ولا تُشكل كفاءة استهلاك الطاقة سوى نصف الصورة فقط.

صورة أكبر لتأثير السيارات ذاتية القيادة

عند النظر إلى الصورة الأوسع يتضح اعتماد مقدار انبعاثات الكربون على حجم الطلب على السفر. ولذلك فبينما سيُقلل تحسين كفاءة استهلاك السيارات للوقود من خلال القيادة الآلية من انبعاثات الكربون للمركبات الفردية، يتوقف التأثير العام لهذه التغييرات على كيفية استخدام السيارات ذاتية القيادة.

ومثلًا يُمكن التفكير في ما سيحدث حال تحول عددٌ ضخم من الأشخاص إلى استخدام السيارات ذاتية القيادة عوضًا عن السفر بواسطة القطارات. وعمومًا يُفضل الناس الخصوصية والراحة عند السفر بالسيارة، وفي المُقابل يسمح لهم استخدام وسائل المواصلات العامة بالتفرغ لمهام أخرى كالقراءة أو النوم أو إنجاز الأعمال. وتجمع السيارات ذاتية القيادة بين مزايا النوعين أي الخصوصية وتجنب الانشغال بالقيادة، ما قد يجعلها خيارًا جذابًا جدًا ربما يقود إلى زيادة نسبة السفر بواسطة السيارات في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها بنسبة تصل إلى 60%.

كما يُمكن لميزات السيارات ذاتية القيادة تشجيع مجموعات جديدة على اقتناء السيارات مثل المسنين وذوي الاحتياجات الخاصة وربما آخرين لا يسمح لهم صغر السن بقيادة السيارات. وسيُحسن هذا من مستوى الرفاهية المُتاح لهذه المجموعات السكانية من خلال زيادة قدرتها على التنقل، وفي الوقت نفسه سيرتفع حجم الطلب على السفر واستهلاك الطاقة وانبعاثات الكربون. وقدر الباحثون نسبة الزيادة في الولايات المتحدة بما يتراوح بين 2 إلى 10%.

تغير الثقافة السائدة من الاقتناء إلى المشاركة

ولا ينبغي أن يرسم ذلك صورةً سلبية لتأثير السيارات ذاتية القيادة؛ فبمقدورها الإسهام في تغيير الثقافة الحالية حول اقتناء السيارات وتعزيز الاتجاه إلى تقاسم السيارات أو الخدمات بحسب الطلب، الأمر الذي يفتح المجال لإمكانات جديدة.

وربما تُقلل مشاركة السيارات أو سيارات الأجرة الآلية من حجم الطلب على السفر حين تتضح أكثر التكاليف مُقابل كل ميل أمام المستخدمين. وعلى الرغم من أن السيارات ذاتية القيادة التي يتقاسمها مجموعة من المسافرين قد تظل فارغة في بعض الأوقات خلال رحلاتها، إلا أن هذا الخيار قد يُؤدي إلى تخفيض استهلاك الطاقة بنسبة تتراوح بين صفر و20%.

ويُمكن تحقيق وفورات أكبر في استهلاك الطاقة إذا ما تم التوفيق بين حجم السيارة ذاتية القيادة المشتركة ونوع الرحلة؛ بحيث تُستخدم مثلًا سيارة عائلية صغيرة في التنقلات اليومية إلى العمل، وتُستخدم أخرى متوسطة الحجم في الرحلات العائلية الترفيهية. وقد يُقلل هذا النهج من الطلب على الطاقة بنسبة تقع بين 21 إلى 45%.

ولم يتطرق البحث بالكثير من التفصيل إلى دور السيارات ذاتية القيادة في التشجيع على استخدام أنواع بديلة من الوقود مثل الكهرباء، ما يُقلل من حجم انبعاثات الكربون.

وفي واقع الأمر يُمكن للسيارات ذاتية القيادة والأسلوب الآلي في القيادة الحد من استهلاك الطاقة في السفر البري، لكن الفضل في ذلك لا يرجع إليها مُباشرةً، بل إلى تغيير تصميم المركبات وعمليات تشغيلها وثقافة ملكية السيارات. ومن الأمور المُثيرة للاهتمام أن الفوائد الخاصة باستخدام الطاقة لا تتحقق فقط من خلال انتشار السيارات ذاتية القيادة، ولكن أيضًا عبر مستوى أقل من العمليات الآلية بزيادة إمكانات التفاعل بين المركبات والبنية التحتية للطرق.

ويبدو من الواضح أن المنافع المُترتبة على السيارات ذاتية القيادة ستعتمد على كيفية استخدامها. ونظرًا لأن الانتشار الواسع لها قد يُنشيء بعض الآثار غير المُتوقعة، فمن المهم العثور على السُبل الملائمة وتنفيذها للاستفادة الكاملة من دور السيارات ذاتية القيادة في توفير استهلاك الطاقة وخفض الكربون.

مصدر الصورة