هل ستُؤثر ثورة البيانات على الحرب ضد الفساد؟

في أبريل/نيسان 2016 انشغل العالم بقضية “وثائق بنما” التي كشفت عن اتفاقات وتحويلات تستهدف التهرب من الضرائب وإخفاء ثروات مسؤولين حكوميين بارزين ومشاهير، وما تبعها من جدل وتحقيقات موسعة واستقالات. واعتمدت القضية على تحليل فريق من الصحفيين والمتخصصين في تحليل البيانات أكثر من 11.5 مليون وثيقة تعود إلى شركة “موساك فونسيكا” للخدمات القانونية.

وفي أغسطس/آب من العام ذاته عُزلت رئيسة البرازيل ديلما روسيف من منصبها بعد تحقيقات واستجواب من مجلس الشيوخ ومحاكمة. ولم يكن السبب مزاعم سابقة حول فساد في شركة النفط المملوكة للحكومة، وإنما اتهامها باستخدام حيل محاسبية لإخفاء الوضع الحقيقي وحجم العجز الفعلي في الميزانية العامة. وبدأت القضية باكتشاف مؤسسة “كونتاس أبرتاس” Contas Abertas غير الحكومية للتلاعب عبر تحليل بيانات منشورة في بوابة الشفافية الحكومية، وأوصلت القضية إلى المحكمة لتتطور قانونيًا وسياسيًا.

ولعبت البيانات الضخمة والمفتوحة دور البطولة في كلا القضيتين، ويرى البعض أن تحليلات البيانات ستُغير تمامًا موازين القوة في الحرب ضد الفساد ومصيرها. وتتحدد البيانات الضخمة بحجمها الهائل وإنتاجها المتكرر وتنوعها أي توافرها في مصادر وصيغ مختلفة. لكن الدقة هي أكثر ما يُثير القلق بشأن البيانات. وفي الواقع تُخلف التفاعلات البشرية قدرًا ضخمًا من البيانات يبلغ 2.5 كوينتيليون أو مائة مليار بايت يوميًا.

وفيما يخص البيانات المفتوحة اتجهت الكثير من الحكومات منذ تسعينيات القرن الماضي إلى سن قوانين تدعم حرية تداول المعلومات وأطلقت بوابات على شبكة الإنترنت تُتيح للمواطنين الإطلاع على المعلومات الحكومية. وغالبًا ما يتطلب تشريع قوانين شفافية البيانات شجاعةً من حكومات ذات توجهات إصلاحية، ولا يسهل تنفيذها نظرًا لقوة المعلومات كأداة وسلاح.

ومنذ عام 2011 انضمت سبعون دولة إلى “شراكة الحكومة المفتوحة”. ومن بين أمثلة أدوات البيانات المفتوحة التي تتوجه للمواطنين على نطاقٍ واسع Checkbook NYC 2.0 لنشر ميزانية مدينة نيويورك الأمريكية، وMaparegalías التي تكشف امتيازات التنقيب في كولومبيا.

ومع ذلك تظل البيانات الحكومية عمومًا خفية عن المراقبة العامة، وتتوافر أقل من 10% من مجموعات البيانات الحكومية بصيغٍ مفتوحة بحسب “المؤشر العالمي للبيانات المفتوحة”. ويزداد الغموض فيما يتعلق ببيانات التعاقدات الحكومية الأكثر عرضة للفساد. ودرست “شراكة التعاقد المفتوح” Open Contracting Partnership مائة وعشرين دولة، وتبين نشر أقل من 10% منها بيانات جيدة وفي التوقيت الصحيح حول العطاءات والمنح.

وبمقدور الجمع بين البيانات المفتوحة والضخمة والتحليلات الكشف عن الفساد ومواجهته وردعه، ولذلك يتعاون علماء البيانات مع النشطاء المهتمين بمكافحة الفساد لتطوير أدوات للتحليل تفضح ممارسات الفساد. وفي الهند يتلقى موقع “دفعت رشوة” I paid A Bribe بلاغات المواطنين عن دفعهم الرشاوى لإتمام التعاملات في المؤسسات الحكومية. وبحسب مؤسسه سواتي راماناثان فإن الموقع يُسهِم في مواجهة “فساد التجزئة”، ويقصد الرشاوي الصغيرة التي تضر أكثر بالفقراء.

وفي البرازيل يُتابع “مرصد الإنفاق العام” إنفاق 5 تريليون دولار بحسب ما تنشره الحكومة في بوابة الشفافية، ويستعين المرصد بتحليل البيانات لاكتشاف الاحتيال في برنامج “بولسا فاميليا”، وهو أكبر برامج الرعاية الاجتماعية في البلاد، من خلال مقارنة قائمة المستفيدين بالمساعدات مع السجلات الاتحادية للسيارات وتحديد غير المستحقين.

وأطلقت “منظمة الشفافية الدولية” بوابة مفتوحة المصدر للتعاقدات الحكومية في جورجيا، تستخلص البيانات من النظام الإلكتروني للمشتريات الحكومية، الأمر يسمح بالتحقيق في العقود غير التنافسية وسواها من التعاملات المشبوهة. وطرحت أمانة الشفافية التابعة لرئاسة الجمهورية في كولومبيا تطبيقًا يسمح للمواطنين بالإبلاغ عن الأفيال البيضاء، أو المشروعات العامة غير المكتملة أو التي تكلفت أكثر مما ينبغي. وحتى نهاية 2015 تم تحديد 83 من هذه المشروعات قاربت قيمتها الإجمالية 500 مليون دولار، وبدأت السلطات باتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.

وعلى الرغم من الآفاق الواعدة لتوظيف البيانات الضخمة والمفتوحة في المعركة ضد الفساد، إلا أنهما وحدهما لا يضمنان الانتصار. وهناك أربعة أمور ينبغي على المؤسسات الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني مراعاتها من أجل الاستفادة من البيانات على النحو التالي:

1. بيانات جيدة وإمكانات التحليل:

من الضروري اعتماد التحليلات على بيانات جيدة وموثوقة من إحصاءات رسمية وسجلات إدارية، ودون ذلك ستنتهي التحليلات إلى أخطاء ونتائج غير مفيدة. وتُؤكد هذه النقطة على الدور الحاسم لمؤسسات الإحصاء الوطنية. وتتطلب التحليلات الفعّالة توافر إمكانات وكفاءات متخصصة في التحليل، وهي مهمة ليست يسيرة في ظل تنامي الطلب على توظيف علماء البيانات وصعوبة جذبهم للعمل في القطاع الحكومي، ولذلك تُؤسس دول ومدن مختبرات لجذب هواة البيانات ورعاية الابتكارات.

2. التكامل مع التدابير الأخرى لمكافحة الفساد:

يستلزم إحداث تحليلات البيانات تأثيرها المرجو ارتباطها بآليات الشكاوى والمؤسسات الوطنية المعنية بمحاربة الفساد، وبالتالي تقود إلى ملاحقات قضائية ووضع التدابير التصحيحية لمنع الفساد من الأصل. ويشمل ذلك اندماج تحليلات البيانات مع اقتراح السياسات والإصلاحات المضادة للفساد. ومع الإقرار بدور تحليل البيانات في تعزيز رؤية الحكومات وقدرتها على الرقابة، لا يُمكن أن تصير بديلًا لحدس الساسة الخبراء وحكمتهم.

3. شفافية التحليلات المضادة للفساد:

كثيرًا ما تصير المهام التي تتطلب مجموعة من المهارات المتخصصة حكرًا على القلة، ولا يُعد تحليل البيانات الضخمة استثناءً. ولذلك ينبغي إخضاع الخوارزميات لمساءلة المجتمع، والانتباه لفجوات البيانات ولاسيما في المجالات التي لا تتوافر عنها معلومات كافية على الإنترنت.

4. الاستفادة من بيانات الشركات:

قال جون دو، الذي يُنسب إليه تسريب “وثائق بنما”، أن ما يحدث مجرد بداية لثورة البيانات. وبمقدور بيانات الشركات والمؤسسات الخاصة تغيير المواجهات ضد الفساد؛ نظرًا لما تكشفه من محاولات الحكومات للتعتيم وعدم تناسق المعلومات المنشورة التي تقود إلى ممارسات غير قانونية.

وأثبتت “وثائق بنما” تأثير بيانات الشركات والأضرار الناجمة عن الغموض. وتُحاول مشروعات مثل “أوبن أويل” Open Oil لوثائق الشركات العاملة في مجال الموارد الطبيعية و”أوبن كوبريتس” OpenCorporates لبيانات الشركات تسليط الضوء على هذا العالم، وإن كان لا يزال من الضروري القيام بالمزيد.

المصدر

الصورة