هل سيضر إنترنت الأشياء بالبيئة أم سيحميها؟

تُركز الكثير من النقاشات المرتبطة بإنترنت الأشياء على الإسهام المُحتمل لنحو 23 مليار جهاز متصل بالإنترنت، حسب بيانات هذا العام، في تحسين حياة الناس وتيسير الأعمال وتحقيق منافع اقتصادية يُتوقع أن تصل إلى 11 تريليون دولار بحلول عام 2025.

وفيما يتعلق بأثر إنترنت الأشياء على البيئة، ينقسم الخبراء بين من يتوقع إسهامه في زيادة استهلاك الطاقة وما لذلك من تأثيرات سلبية على البيئة والتغير المناخي، ومن يتوقع فائدته في تحسين كفاءة استهلاك الطاقة. ويتفق الفريقان على أن الآثار الكاملة لإنترنت الأشياء لم تتبين بعد.

ويقول خبير الاتصالات كيري هينتون أن إنترنت الأشياء سيفوق حجمًا وتطورًا جميع الأجهزة التي استخدمها البشر من قبل. ويرى أن ذلك يُوجب التفكير في قواعد استخدامه من البداية بسبب استهلاكه للطاقة واعتماده على عناصر نادرة. ويعتقد هينتون أن نهم إنترنت الأشياء يختلف بحسب أنواع الأجهزة ووظائفها.

وتندرج أجهزة إنترنت الأشياء ضمن طيف واسع وبالغ التنوع، يشمل أجهزة صغيرة تحتاج إلى القليل من الطاقة وتنقل قدرًا محدودًا من البيانات، ومنها أجهزة الاستشعار التي ترصد حاجة آلات البيع إلى إعادة تزويدها بالبضائع. وتحصل الكثير من هذه الأجهزة على الطاقة من بطاريات تدوم لوقتٍ طويل، وهناك محاولات لتوفير إمكانية الشحن الذاتي بواسطة الطاقة الشمسية أو الاهتزازات أو الحرارة.

وفي الوقت نفسه هناك أجهزة أخرى أكثر تعقيدًا واستهلاكًا للطاقة، ومنها أجهزة المراقبة بالفيديو التي تستهلك الكثير من الطاقة كما تُسهِم في نمو البيانات المتبادلة عبر الإنترنت. وبيّن “مؤشر سيسكو للشبكات المرئية” تضاعف بيانات المراقبة عبر الفيديو بين عاميّ 2014 و2015، وتوقع زيادتها عشر مرات في عام 2020. وقال هينتون أن مشكلة استهلاك الطاقة ستكون بالغة الخطورة عند النظر إليها على مستوى بلدٍ بأكمله.

وبعيدًا عن تعطش إنترنت الأشياء للطاقة، يُمكن لهذه التكنولوجيا توفير استهلاك الكهرباء والمياه، وستُساعد أجهزة الاستشعار داخل المباني الذكية في التحكم في درجات الحرارة وقوة الإضاءة استنادًا إلى الحاجة الفعلية، كما ستُنبه فرق الصيانة على الفور عند حدوث أعطال. وتُطور شركة “سكاي جريد” SkyGrid الأسترالية الناشئة نظامًا ذكيًا لتسخين المياه داخل المباني؛ بهدف تجنب إهدار الطاقة في تسخين مياه لا يحتاج إليها أحد.

وتُمثل البيانات عنصرًا أساسيًا في عمل إنترنت الأشياء، وبطبيعة الحال سيتضاعف حجمها خلال السنوات المُقبلة. وفي الآونة الأخيرة تحسنت طرق تخزين البيانات، واتجهت المؤسسات إلى التخزين السحابي بدلًا من إنشاء مراكز بيانات خاصة.

وتُدير شركات كبيرة مراكز التخزين السحابي، وتُولي اهتمامًا بالغًا لخفض استهلاكها من الطاقة وبالتالي تكاليف التشغيل. كما تتجه أكبر شركات التكنولوجيا إلى مصادر الطاقة المتجددة للحد من بصمتها الكربونية، ومثلًا تعتمد “آبل” تمامًا على الطاقة المتجددة، وتصل النسبة لدى شركة “ياهو” إلى 73%، وتبلغ 49% و46% لدى “فيسبوك” و”جوجل” على الترتيب. وأعلنت “جوجل” مُؤخرًا عزمها الاعتماد على الطاقة المتجددة كليًا العام المُقبل.

كما تُؤسس الشركات مراكز للبيانات في مناطق تُسهِم بطبيعتها في خفض استهلاك الطاقة، وقبل ثلاثة أعوام افتتحت “فيسبوك” مركزًا للبيانات شمال السويد للاستفادة من تبريد الهواء الخارجي والطاقة الكهرومائية.

وبفضل هذه الخطوات ربما لن يكون للبيانات الناتجة عن إنترنت الأشياء، حال تخزينها سحابيًا، تأثيرًا كبيرًا على استهلاك الطاقة. لكن التخزين السحابي لا يُلائم جميع تطبيقات إنترنت الأشياء، ويتطلب بعضها وصولًا سريعًا للبيانات واستجابة سريعة، ما يعني حاجتها إلى التخزين المحلي للبيانات مثل أجهزة متابعة الحالة الصحية والسيارات ذاتية القيادة.

ومع ذلك، ترى بيتينا تراتز-ريان، نائبة رئيس “جارتنر” للأبحاث، أن الاحتفاظ بالبيانات في الأجهزة ليس ضارًا دائمًا؛ إذ يُتيح للأجهزة التواصل مع بعضها البعض دون إعادة البيانات مُجددًا إلى الشبكة، وهو أمر يستهلك الطاقة ويتسبب في انبعاثات الكربون.

وتستفيد شركة “فري ستايل” Freestyle الأسترالية من لامركزية البيانات في إنشاء شبكات للطاقة أكثر تجاوبًا من خلال الابتعاد عن التحكم المركزي والسماح للأجهزة باتخاذ القرارات تبعًا لتغيرات الوقت الحقيقي.

وهناك الكثير من العوامل التي تُصعب التوصل إلى تقييم قاطع لتأثير إنترنت الأشياء عل البيئة. وفي عام 2015 خلص تقرير SMARTer2030 الصادر عن “المبادرة العالمية للاستدامة الإلكترونية” إلى أن تقنيات المعلومات والاتصالات، ومنها إنترنت الأشياء، ستتمكن من توفير عشرة أضعاف ما تُنتجه حاليًا من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بحلول عام 2030؛ بفضل الحد من التنقل والمباني الذكية وزيادة كفاءة التصنيع والزراعة.

ويستلزم ضبط تأثير إنترنت الأشياء على البيئة وضع معايير للاستخدام، وقناعة الجمهور والمصنعين بأهمية ضمان كفاءة استهلاك الطاقة ومكافحة تغير المناخ.

المصدر والصورة