هل يتراجع الابتكار تزامنًا مع شيخوخة السكان؟

تشهد أغلب الدول الغربية حالةً فريدة في التاريخ الإنساني من ارتفاع معدلات شيخوخة السكان؛ نظرًا لأن المولدين خلال العقدين الخامس والسادس من القرن الماضي يعيشون سنوات أطول ولديهم عدد أقل من الأطفال مُقارنةً بالأجيال السابقة، ما يُمثل تحديًا أمام أنظمة الرعاية الصحية والتقاعد في المجتمعات الحديثة.

وينظر أغلب الساسة إلى النمو الاقتصادي كعلاج للتخفيف من هذه المشكلات، ويرون أن تسريع النمو الاقتصادي سيُوفر المزيد من الدخل لإنفاقه على الرعاية الطبية لكبار السن، وسيزيد ارتفاع الأجور من المساهمات في صناديق التقاعد، كما سيُقلل النمو من الدين الحكومي بالنسبة للناتج المحلي الإجمالي وبالتالي تنخفض تكاليف الاقتراض الحكومي في المستقبل.

وتكمن مشكلة شيخوخة السكان في تسببها في تراجع الناتج المحلي الإجمالي ونصيب الفرد منه. ونظرًا للتراجع المستمر في معدلات الخصوبة يشهد سوق العمل دخول عدد من الشباب يقل عن تقاعد كبار السن، وبذلك تتراجع أعداد القوى العاملة ومعها الناتج القومي الإجمالي، ويكون على العمالة الحالية إعالة أعداد أكبر من المتقاعدين ولفترات أطول. وفي ظل هذه الظروف يبدو الابتكار مُنقذًا وسبيلًا للنمو الاقتصادي من خلال تعزيز إنتاجية القوى العاملة ورفع الناتج المحلي الإجمالي ونصيب كل فرد منه.

ويميل فريقٌ من علماء الاجتماع والساسة لافتراض أن المجتمعات التي تضم عددًا كبيرًا من المسنين تفقد روح المبادرة، وتُفضل الأساليب الآمنة المعتادة على خوض تجارب مبتكرة تحمل بعض المخاطر، ويقل تطلعها إلى المستقبل. لكن دراسة نُشرت العام الماضي انتهت إلى نتيجة مختلفة بعض الشيء.

وحللت الدراسة معدلات شيخوخة السكان والنشاط الابتكاري في 33 دولة من الأعضاء في “منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية” بين عاميّ 1960 و2012. وقاست شيخوخة السكان وفقًا لمعدل إعالة كبار السن أي نسبة الأشخاص الذين تتخطى أعمارهم 64 عامًا بالنسبة للسكان في سن العمل بين 15 و64 عامًا. واعتبرت عدد براءات الاختراع لكل ألف شخص معيارًا للنشاط الابتكاري.

وبيّن التحليل أن الرابط بين شيخوخة السكان ونشاطات الابتكار غالبًا ما يكون في شكل ارتفاعات كبيرة يتلوها تراجع، وظهرت ذروة النشاط الابتكاري حين كان عدد كبار السن بين 24 و27 شخص لكل مائة شخص من السكان في سن العمل، وشهدت اليابان هذا المعدل بين عاميّ 1999 و2003، وألمانيا بين عاميّ 2001 و2004. وتمر الدول بعد بلوغ هذا المعدل بتراجع في النشاط الابتكاري مع تنامي شيخوخة السكان.

ويُمكن تفسير هذا النمط بأن الحاجة تدفع المجتمعات للاستثمار في الابتكار، بالإضافة إلى تفهم كبار سن السن ارتباط مستوى معيشتهم بإنتاجية العاملين الشباب والدور المحوري للابتكارات في تعزيز الإنتاجية. وانتهت دراسة أخرى بحثت في رؤية الأفراد للابتكار في 18 دولة من الأعضاء في “منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية” إلى الارتباط بين ارتفاع سن الفرد وتراجع تقديره للابتكار، لكن هذا يقل في المجتمعات التي تشهد شيخوخة أوسع نطاقًا، ما يُشير إلى أن الشيخوخة ربما ترتبط بتحسن فهم الأفراد وقدرتهم على التكيف مع الأنشطة الابتكارية.

وتحتاج المجتمعات إلى برامج فعّالة لتنشيط الابتكار، ومثلًا تتعامل ألمانيا واليابان مع شيخوخة السكان بطريقة منظمة. وفي ألمانيا تُقدم الاستراتيجة الوطنية للابتكار أو “استراتيجية التكنولوجيا الفائقة لعام 2020” تمويًلا للأبحاث والابتكار على المستوى العام والمحلي، وتدعم الاستثمارات في الابتكارات الصديقة للبيئة وهي إحدى المجالات التي تتميز فيها ألمانيا. واعتمدت اليابان استراتيجية شاملة للعلوم والتكنولوجيا والابتكار في عام 2013، تُركز على البيئة والطاقة والرعاية الصحية والتحديات الاجتماعية، ويُشكل الانفتاح على البلدان الآسيوية الأخرى جزءًا من الاستراتيجية.

ومن الضروري أن يسعى الساسة لزيادة الوعي بشأن العواقب السلبية لشيخوخة السكان، وتأثيراتها على الرعاية الصحية الفردية ومعاشات التقاعد والأداء الاقتصادي للحكومة. وتُحفّز هذه التوعية تغيير السلوكيات وتُوفر المناخ الاجتماعي الأكثر ملائمة للاستثمار في الابتكار؛ ففي البلدان الأكثر فهمًا لآثار الشيخوخة تزيد فرص رواد الأعمال ما يُفيد الكبار والشباب معًا.

المصدر

الصورة