هل يتساوي الذكاء الاصطناعي مع البشر في الفضول؟

يُعد التطلع للمعرفة من بين أهم السمات اللازمة للنجاح في وظائف اليوم والغد. وفي ظل التطور المُتواصل في طبيعة الوظائف ومتطلباتها، تسعى الكثير من المؤسسات إلى توظيف الأفراد بناءً على ما يُمكنهم تعلمه وليس ما يعرفونه بالفعل، دون التقليل من أهمية المعرفة الأكاديمية التي تحققت لأسباب منها الفضول أو الاهتمام بأحد التخصصات.

واكتسب الفضول للمعرفة مزيدًا من الأهمية بسبب اتساع نطاق التشغيل الآلي وتطور الذكاء الاصطناعي وتهديده للكثير من الوظائف. واعتبرت شركة “مان باور جروب” لاستشارات الموارد البشرية القدرة على التعلم الحل الرئيسي لمواجهة التشغيل الآلي. وتعني رغبة الشخص في تعديل مهاراته وتطويرها واكتساب خبرات جديدة لتناسب طبيعة العمل خلال مساره المهني. (اقرأ أيضًا: التعلم المستمر ضرورة في عصر الذكاء الاصطناعي)

ويعني ذلك أنه كلما تنوعت مهارات الأشخاص وقدراتهم، كلما احتفظوا بأهميتهم في أعمالهم وتراجعت احتمالات استبدالهم بآلات أو برمجيات. وفي المُقابل، كلما ركزوا فقط على تحسين أداءهم الحالي، كلما تحولت الوظيفة إلى مهام متكررة ومعتادة تتفوق الآلات في إنجازها.

وتدفع المقارنة بين قدرات الإنسان والآلة على أداء الوظائف إلى التساؤل عن مدى تمتع الذكاء الاصطناعي بالفضول، وتأثير ذلك على المنافسة بين الدورين أو تكاملهما.

وفي الواقع يتسم الذكاء الاصطناعي بالتطلع إلى المعرفة فيما يتعلق بمهام محددة؛ إذ يعتمد أساسًا على تحديد مسألة أو هدف كأولوية للبرنامج أو الروبوت. وفي حالة البشر يُمكن تصور هذا المستوى من الفضول بتقدم الرغبة في التعلم على جميع الأولويات الأخرى الاجتماعية والفسيولوجية. ويعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي أكثر شغفًا بالتعلم من البشر.

لكن يُواجه الذكاء الاصطناعي قيودًا تتعلق بما يستطيع تعلمه، ويُركز على مسألة أو مجال محدود جدًا مُقارنةً بالإنسان، ويرتبط بالتوجيهات الخارجية أي التعليمات البرمجية. ويُناقض ذلك تمامًا التطلع للمعرفة لدى البشر؛ فنادرًا ما ينبع الاهتمام الصادق بأمرٍ ما من التعليمات الخارجية وحدها. وتُمثل هذه النقطة تحديدًا العيب الأكبر في الفضول البشري، وهو تقلبه وتغير اتجاهاته، ما يجعل من الصعب تعزيزه سواءً عل المستوى الشخصي أو لدى الآخرين.

وحتى في حال استبعاد وصف الفضول عند الحديث عن الذكاء الاصطناعي، فقد كشفت أغلب المهام المُعقدة التي تُنجزها أداوات الذكاء الاصطناعي عن القدرة المحدودة للفضول البشري في مُقابل التعلم المُوجه. ومن أمثلة ذلك محاكاة البرمجيات لحوادث السيارات وتحسين ابتكارات السلامة، وعمليات التصميم الذكية التي تُقدم فيها الحواسيب التصميمات وتتحقق من جدواها. وبات هذا الأسلوب أكثر شيوعًا في قطاعات مختلفة، واستعانت به “جوجل” لتحسين كفاءة التبريد في مراكز البيانات، واستخدمه مهندسو وكالة “ناسا” لرفع حساسية الهوائيات.

ومن بين الأمثلة الأخرى مقابلات التوظيف. وتسعى كل مؤسسة للحصول على أفضل الموظفين من خلال تطوير الأسئلة والملاحظة، ويظل ذلك محدودًا بعدد المتقدمين للوظائف. ومن المُمكن تطبيق برمجيات تعلم الآلة على المقابلات المسجلة بالفيديو لمقارنة المرشحين للوظائف استنادًا على الحديث والسلوكيات الاجتماعية، وملاحظة المهارات الدقيقة كالانتباه وأسلوب الحديث المرتبط بالإنجاز والألفة مع الحد من تأثير التحيزات الواعية وغير الواعية. وعلى النقيض من ذلك، قد يُركز المُقابِلون البشر على عوامل غير مهمة لينتهي الأمر بقرارت غير منصفة.

وتُظهِر الأمثلة السابقة تفوق الحواسيب على البشر فيما يخص الفضول المرتبط بإحدى المهام؛ فيُمكنها مواصلة التعلم واختبار الأفكار بسرعة تفوق البشر ما دام لديها تعليمات وأهداف محددة جيدًا. ومع ذلك، لا تتميز الحواسيب بالبحث في حل مشكلات جديدة وربط مسائل مختلفة؛ ومثلًا لا تستطيع خوارزميات التوظيف المنافسة في ألعاب الحاسب والعكس صحيح.

وإجمالًا يتفوق الذكاء الاصطناعي على البشر في أداء مهام جديدة يومًا بعد آخر في أداء المهام المحددة، لكن التطلع إلى التعلم والشغف بالمعرفة، بما في ذلك الاهتمامات المتقلبة والعشوائية، ربما سيظلان حكرًا على البشر.

المصدر

الصورة