هل ينبغي اعتبار الأمن الإلكتروني حقًا إنسانيًا؟

كثيرًا ما يُصنف الاتصال بالإنترنت كأحد حقوق الإنسان، ويتزايد إقبال المؤسسات الدولية والحكومات على الإقرار بأهميته لحقوق أساسية كحرية الرأي والتعبير وتبادل المعلومات. وفي السياق نفسه ربما يُمثل إقرار الأمن الإلكتروني كحقٍ إنساني الخطوة التالية اللازمة لضمان السلامة عند استخدام الإنترنت.

وأقرت الأمم المتحدة بأهمية دور الإنترنت في النضال من أجل حقوق الإنسان. وانتقد مسؤولون في المنظمة الدولية إقدام حكومات على قطع خدمات الإنترنت، ورأوا في ذلك حرمانًا للمواطنين من حقوقهم في حرية التعبير. لكن مجرد الوصول إلى الإنترنت لا يكفي وحده، ويُعاني كثيرون ممن يتمتعون باتصال دائم بالإنترنت من القلق الدائم بشأن احتمال تعرض بياناتهم للاختراق والسرقة في أي وقت وعجزهم عن حمايتها.

وفي العام الماضي دعت “مؤسسة الحدود الإلكترونية” غير الربحية المعنية بمناصرة الحقوق الرقمية شركات التكنولوجيا إلى “التوحد للدفاع عن المستخدمين” وتأمين أنظمتها ضد القرصنة والمراقبة الحكومية. ومن المُناسب الآن إعادة النظر في دور الأمن الإلكتروني للاتصالات الرقمية وحقوق الإنسان. وتشير تطورات في المجتمع الدولي والشركات منها العناية بالتشفير إلى إرهاصات مُبكرة لاعتبار الأمن الإلكتروني حقًا إنسانيًا يتوجب على الحكومات والقطاع الخاص والأفراد العمل على صيانته.

وقبل ذلك لا تسلم فكرة الاتصال بالإنترنت كحقٍ إنساني من الاختلاف حولها. ومثلًا يرى أحد رواد الإنترنت فينتون سيرف، المعروف بلقب “أبو الإنترنت”، أن التكنولوجيا بحد ذاتها ليست حقًا، وإنما وسيلة يُمكن من خلالها ممارسة الحقوق.

وأقرت الكثير من الدول حق مواطنيها في الوصول إلى الإنترنت بأساليب متنوعة مثل نصوص الدساتير والقوانين والأحكام القضائية. ومنها فرنسا واليونان وفنلندا وكوستاريكا وإستونيا. وقبل سبعة أعوام صرح أمين الاتحاد الددولي للاتصالات الدكتور هامادون توري أنه يتوجب على الحكومات اعتبار الإنترنت بنية تحتية أساسية مثل الطاقة وإدارة النفايات والمياه. ويبدو الرأي العام العالمي موافقًا لهذا التوجه.

وتُعزز وجهة نظر سيرف فكرة الأمن الإلكتروني كحقٍ إنساني؛ باعتبار أنه يُمكّن الناس من ممارسة حقوقهم في الخصوصية وحرية الاتصالات.

وتتضمن القوانين الحالية لحقوق الإنسان الكثير من المبادئ التي تصدق على الأمن الإلكتروني، ومنها المادة التاسعة عشرة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تحمي حرية الرأي والاتصال والوصول إلى المعلومات، كما تنص المادة الثالثة على أن “لكل فرد الحق في الحياة والحرية وفي الأمان على شخصه”. وبسبب صعوبة فرض تنفيذ هذه النصوص، تتجاهل الكثير من الدول قواعد المواثيق الدولية.

ومع ذلك، هناك ما يدعو للأمل؛ ففي عام 2011 قالت “المفوضية السامية لحقوق الإنسان” التابعة للأمم المتحدة أن حقوق الإنسان تسري على الإنترنت كما في خارجه، ما يعني أن حماية خصوصية الأفراد في المراسلات الرقمية لا يقل أهمية عن ضمان الخصوصية عند التعامل مع الوثائق الورقية. ودعم “مجلس حقوق الإنسان” هذه الرؤية في أعوام 2012 و2014 و2016.

وفي عام 2013 صوتت “الجمعية العامة للأمم المتحدة”، التي تضم مُمثلين لجميع الدول الأعضاء، على تأكيد “حق البشر في الخصوصية في العصر الرقمي”. وجاء القرار على إثر تسريبات إدوارد سنودن والكشف عن المراقبة الإلكترونية للحكومة الأمريكية، وشددت على أهمية حماية الخصوصية وحرية التعبير على الإنترنت. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2015 أيدت “مجموعة العشرين”، التي تتألف من أكبر اقتصادات العالم، الخصوصية وتشمل ما يجري في سياق الاتصالات الرقمية.

وينطوي الالتزام بحماية هذه الحقوق على تطوير سياسات جديدة في مجال الأمن الإلكتروني منها تشفير جميع الاتصالات وآليات التخلص من البيانات القديمة وغير المطلوبة بدلًا من الاحتفاظ بها لأجلٍ غير مُسمى. وتستعين الكثير من الشركات بالمبادئ التوجيهية للأمم المتحدة؛ لمساعدتها في اتخاذ قرارات مستنيرة لتعزيز العناية الواجبة بحقوق الإنسان. كما تُطبق توصيات الحكومة الأمريكية في إطار عمل الأمن الإلكتروني الصادر من “المعهد الوطني للمعايير والتكنولوجيا”؛ بهدف تحديد أفضل السُبل لحماية بياناتهم وبيانات عملاءهم.

ومن المُرجح أن يتسع نطاق إقرار الاتصال بالإنترنت كحقٍ من حقوق الإنسان، وربما يليه الاعتراف بالحق في الأمن الإلكتروني؛ ففي ظل تزايد الاعتماد على خدمات الإنترنت في الحياة اليومية سترتفع توقعات الجمهور للخصوصية الرقمية وحرية التعبير، وتقود إلى مطالبتهم بمستوى أفضل من حماية حقوقهم.

وحينها ستلجأ الحكومات للبناء على أساس القوانين الدولية القائمة ومد حقوق الإنسان في الخصوصية وحرية التعبير وتحسين الرفاهية الاقتصادية رسميًا إلى الفضاء السيبراني. والآن حان الوقت لاستعداد الحكومات والشركات والأفراد لهذا التطور من خلال جعل الأمن الإلكتروني أحد المعايير الأخلاقية الأساسية في الاتصالات السلكية واللاسلكية وتخزين البيانات والمسؤولية الاجتماعية للشركات وإدارة المخاطر في المشروعات.

المصدر والصورة