هل ينجح الذكاء الاصطناعي في تغيير مستقبل الرعاية الصحية؟

في الوقت الذي تتولى الروبوتات مهامًا أكبر داخل أنظمة التصنيع المعقدة وتُؤدي الكثير من وظائف البشر، تبدو إسهامات الذكاء الاصطناعي في مجال الرعاية الصحية أقل كثيرًا، ولا تزال أكثر الآلات الطبية تطورًا كأجهزة التصوير فائقة الدقة والروبوتات الجراحية تخضع كليًا للتحكم البشري. وعلى الأرجح سيحتفظ الأطباء وفرق التمريض بأدوارهم الحالية في المستقبل القريب. وحتى مع تنامي استخدامهم للتكنولوجيا، فإنها ستُعزز قدراتهم دون أن تحل مكانتهم.

وحدد الكاتب والمحاضر في “كلية هارفارد للأعمال” كلايتون كريستنسن في كتابه “وصفة المبتكر” مجموعةً متنوعة من الممارسات الطبية تتراوح بين الطب المعتمد على الحدس والطب الدقيق. وفي الأول يُفسِر الطبيب أعراض المريض وصولًا إلى التشخيص ويصف علاجات لا تُضمَن فعاليتها دائمًا. أما الطب الدقيق فيختلف عن تقديم العلاجات الملائمة لحالة كل مريض على حدة، ويُطبق قواعد ثابتة ويُقدم علاجات قياسية يُمكن توقع نتائجها لحالات طبية معروفة.

واعتبر كريستنسن أن أغلب الممارسات الطبية المعاصرة أقرب إلى الحدس منها إلى الطب الدقيق. وفي الوقت الحاضر تُطبَق مفاهيم الطب الدقيق على نحوٍ غير صحيح من أجل تحسين نتائج الممارسات الطبية القائمة على الحدس وليس تحديد الآليات المُسببة للأمراض، وفي ضوء ذلك ستبقى الخبرة البشرية جزءًا لا غنى عنه من الرعاية الصحية.

ويتطلب علاج أمراض غير محددة دون وصفة مقررة سلفًا قدرة على اتخاذ قرارات فعالة وثقة، وهما عقبتان أمام الآلات. وخلال آلاف السنوات اكتسب البشر القدرة على الحدس بحسب السياق، وصار بمقدور الأطباء المدربين اتخاذ القرارات الحكيمة في التوقيت الملائم وسط ظروف متقلبة ونقص البيانات. واليوم تحتاج أكثر أنظمة الذكاء الاصطناعي تقدمًا إلى كثير من التحسين والتطوير لتنجح في محاكاة هذه القدرة البشرية.

ويُمثل التواصل مع المرضى تحديًا أكبر أمام الآلات الذكية. ويتطلب شرح التفاصيل الدقيقة لمرض مثل السرطان تمتع الأطباء بالذكاء العاطفي ونيلهم ثقة المرضى. كما يتعين على الأطباء تفهم الخلفية الاجتماعية للمرضى عند تقديم الرعاية. وفي المستقبل المنظور من المُرجح ألا تتمكن الروبوتات من مواكبة البشر في مساعدة من يُعانون أمراضًا مزمنة.

لكن هذه القيود لن تمنع الآلات والبرمجيات الذكية من لعب دور أكبر في الرعاية الصحية حتى في نطاق الطب القائم على الحدس. وبفضل قدراتها التحليلة المتفوقة تُوفر البيانات اللازمة لاتخاذ قرارات التشخيص والعلاج، وتُسهِم في الحد من الأخطاء البشرية في المستشفيات والصيدليات، وقريبًا ستتولى إنجاز الكثير من المهام الثانوية كتنظيم المواعيد وسداد تكاليف العلاج.

ومع ذلك، سيحتفظ البشر بدورهم حتى يتجاوز حضور ممارسات الطب الدقيق نظيره المعتمد على الحدس في الرعاية الصحية. وحدث من قبل تطور مُماثل. وإلى منتصف القرن التاسع عشر اعتمد علاج الأمراض البكتيرية والفيروسية على الحدس، حتى وضع لويس باستور وعلماء آخرون النظرية الجرثومية وتطور الميكروسكوب ونجح العلماء في تحديد أحجام الميكروبات وأشكالها.

وخلال القرن الماضي تطور فهم العلماء للجراثيم بما يسمح الآن بتشخيص جميع الفيروسات والبكتيريا وعزلها سريعًا. وأتاح هذا للأطباء التحول من الحدس إلى الطب الدقيق وتطبيق عمليات قياسية يُمكن التنبؤ بنتائجها في العلاج. ونجح العالم بسبل بسيطة ورخيصة في القضاء على أمراض فتاكة مثل شلل الأطفال والجدري، وطوّر الباحثون لقاحًا يقي تمامًا من الإصابة بفيروس الإيبولا.

وحين يصل الطب إلى مستوى مماثل في فهم الكيمياء الحيوية ووظائف أعضاء الجسم البشري سيتوسع تطبيق الطب الدقيق إلى مختلف فئات الأمراض، وسيصير باستطاعة الأطباء تحديد سبب كل مرض ومسار تطوره بدقة، وستتمتع الروبوتات والبرمجيات باستقلالٍ أكبر ضمن ظروف قياسية لتقديم العلاج الملائم لكل مريض.

وسيُرسي الطب الدقيق القائم على قواعد أهمية الآلات الفائقة المستقلة في الرعاية الصحية، وفي نهاية المطاف ستفوز الآلات بثقة المرضى لتقديم الرعاية، وتتراجع أهمية التفاعلات الشخصية بالتزامن مع تحسن فهم الأمراض، وسيكفل التحول من الاعتماد على الحدس إلى الممارسات الطبية الدقيقة توفير الرعاية الصحية على نطاقٍ أوسع وبتكلفة أقل وصولًا إلى تقديم خدمات للرعاية تُركز على المريض وبأفضل جودة.

المصدر

الصورة