هل يُسهِم الإعلام الاجتماعي في تعزيز التواصل بين الحكومة والمواطنين؟

تستفيد الكثير من الحكومات حول العالم من مواقع الإعلام الاجتماعي في التواصل مع مواطنيها وجمع اقتراحاتهم ونشر أحدث الأخبار والفعاليات، ويتأكد دور هذه المواقع في حالات الطوارئ والكوارث الطبيعة كما حدث خلال إعصار ساندي الذي أصاب شمال شرق الولايات المتحدة الأمريكية في عام 2012، وحينها لعب موقع “تويتر” دورًا مهمًا في توفير المعلومات المهمة للسكان.

ومع ذلك، تتباين الآراء بشأن دور الإعلام الاجتماعي في العمل الحكومي بين الباحثين وأساتذة الجامعات من ناحية والمسؤولين عن تطبيق استراتيجيات التواصل عبر الإعلام الاجتماعي في المؤسسات الحكومية من ناحية أخرى، وهو ما تناوله جيمس توسكانو في مقال بعنوان “هل يدعم الإعلام الاجتماعي العلاقة بين الحكومة والمواطنين؟ تتوقف الإجابة على من تسأله”.

وفي الثامن من شهر أبريل/نيسان الماضي عُقد مؤتمرين مهمين في الولايات المتحدة حول دور الإعلام الاجتماعي في العمل الحكومي. شارك في أحدهما موظفون مسؤولون عن استخدام المؤسسات الحكومية للإعلام الاجتماعي، بينما ضم الآخر جمعًا من الباحثين الأكاديميين. وخلص كلٌ من المؤتمرين إلى أفكار بالغة الاختلاف حول التأثير المُحتمل للإعلام الاجتماعي في تحسين العلاقة بين الحكومة والمواطنين.

وبينما يتفاءل الموظفون المسؤولون عن إجابة شكاوى المواطنين في “فيسبوك” ونشر التغريدات المباشرة في “تويتر” عن اجتماعات المجالس المحلية بالتأثير الإيجابي للإعلام الاجتماعي على التفاعلات بين الحكومة والمواطنين، يبدو خبراء السياسة العامة من الأكاديميين أكثر تشككًا في جدوى هذا التأثير.

رؤية من بعيد وخيبة أمل في الوسط الأكاديمي

شارك باحثون من جامعات مختلفة ومسؤولون في ولاية فلوريدا في المؤتمر السنوي العاشر لأبحاث الإدارة العامة في “جامعة وسط فلوريدا”، وحملت دورة هذا العام عنوان “الحكم الاجتماعي: تطورات في الديموقراطية الرقمية”.

وألقت الكلمة الرئيسية في صباح المؤتمر الدكتورة لوري برينارد، الأستاذة المُشاركة المُتخصصة في السياسة العامة والإدارة العامة في “جامعة جورج واشنطن”. ويُركز عملها على سُبل استخدام الوكالات الحكومية للإنترنت في الحشد من أجل التغيير ونشر المعلومات وإجراء التعاملات والمشاركة في بناء المجتمع.

واعتمدت بيرنارد على نتائج دراساتها السابقة لتُعارض الحماس لإمكانية إحداث الإعلام الاجتماعي تحولًا إيجابيًا في العلاقة بين المواطنين ومؤسسات الحكومة. ولفتت إلى وجود أدلة قليلة على تأثير مجموعات “ياهو” النقاشية التي أطلقتها سبع من مناطق الشرطة في العاصمة واشنطن دي.سي. في عام 2007، كما توصلت دراستها لحوار أهم إدارات الشرطة في الولايات المتحدة عبر الإعلام الاجتماعي في مواقع “فيسبوك” و”تويتر” و”يوتيوب” في عام 2011 إلى نتائج مُماثلة.

وقالت بيرنارد لجمهور المؤتمر أن هناك ما يُبرر فقدان الأمل لدى المتفائلين بشأن دور الإعلام الاجتماعي الذين أطلقت عليهم “المثاليين الرقميين”. ونصحت الوكالات الحكومية بمقاومة الضغوط التي تدفعها للانضمام إلى مواقع الإعلام الاجتماعي.

حماس كبير بين المسؤولين

وعلى الجانب المُقابل، شهد مؤتمر الإعلام الاجتماعي الحكومي GSMCON في مدينة رينو في ولاية نيفادا حماسًا واسعًا بين المسؤولين عن استراتيجيات الإعلام الاجتماعي في المؤسسات الحكومية. ويُعد المؤتمر أحد التجمعات البارزة للإعلام الاجتماعي ويحظى بتمويلٍ مالي من أكبر منصات الإعلام الاجتماعي ومزودي البرمجيات، وبالتالي لا يُتوقع فيه إثارة وجهات النظر السلبية بشأن دور الإعلام الاجتماعي.

وبرز مثال استخدام إدارات الشرطة المحلية للإعلام الاجتماعي في التغيير الإيجابي لعلاقاتهم مع المواطنين، ولاسيما شبكة “نكست دور” Nextdoor.com التي تربط المستخدمين في الأحياء والمناطق السكنية المُتجاورة، وتتنامى شعبيتها بين إدارات الشرطة، وتسمح لها بتبادل المعلومات مع السكان، وقد تقود معلومات المواطنين إلى التعرف على متهمين والوصول إليهم، ما يُعزز سلامة المدن.

وفي الآونة الأخيرة أطلق موقع “نكست دور” تجربة استطلاعات الرأي بالتعاون مع إدارة الشرطة في مدينة أوستن في ولاية تكساس لاستقصاء آراء السكان حول قضايا السلامة، وشارك 2400 شخص في الاستطلاع، وأسهموا بمئات التعليقات.

وبطبيعة الحال لا تسلم أي منصة من أوجه القصور، لكن في كل الأحوال تستفيد الجهات المسؤولة عن تنفيذ القوانين من الفرص المتنوعة التي يُوفرها الإعلام الاجتماعي للتفاعل مع المجتمع المحلي.

وخلال مؤتمر الإعلام الاجتماعي الحكومي قال مدير الاتصالات في مدينة كوليج ستيشن في ولاية تكساس، جاي سكول، أنه ينبغي للوكالات الحكومية الأمريكية الحضور في مواقع الإعلام الاجتماعي قدر استطاعتها، ولفت إلى جهود مدينته في نشر تدوينات مُباشرة على الإنترنت لاجتماعات مجلس المدينة ومُشاركة العروض التقديمية البلدية.

وقال سكول أن الإعلام الاجتماعي يُشعر المواطنين بزيادة قدرتهم على الوصول إلى إدارة المدينة؛ بفضل إمكانية تحدثهم إلى الإدارة وعنها عبر الفضاءات الاجتماعية وحصولهم على ردود. كما تزيد شفافية المؤسسة الحكومية من خلال بلوغ معلوماتها آلاف الأشخاص عبر المنصات الاجتماعية.

وأضاف سكول أن الإعلام الاجتماعي يسمح للمواطنين بالتفاعل مع الحكومة من منازلهم وأماكن العمل وأي مكان يستخدمون فيه الأجهزة المحمولة. وأعرب عن قناعته بتحسن هذه التفاعلات مع مضي الوقت.

ويُدرك المسؤولون عن استخدام الوكالات الحكومية للإعلام الاجتماعي مثل سكول أنه بصرف النظر عن الجوانب السلبية في الإعلام الاجتماعي، لا تزال العقبات التي تعترض تواصل المواطنين والحكومات في وسائل التفاعل التقليدية قائمة، فلم يُيسر الإعلام الاجتماعي مثلًا إقناع المواطنين بحضور الاجتماعات العامة العادية.

ويبدو المسؤولون في الحكومة عن التفاعل مع المواطنين عبر خدمات الإعلام الاجتماعي متحمسون للغاية تجاه أي قدر من التقدم في العلاقة بين المواطينن وحكومتهم، في مُقابل حذر وربما تشاؤم الباحثين المهتمين بدراسة هذا المجال.

خلاف في تحليل نفس المشهد

تُشجع شعبية الدراسات التجريبية في الوسط الأكاديمي على البحث في أسئلة مُحددة لتتبعها إجابات يُمكن الوثوق بها، لكنها في الوقت نفسه تُواجه مشكلةً قديمة تتمثل في الأخطاء التي تكتنف تعميم إجابات تتعلق بحالات وظروف محددة على نطاقٍ أوسع، وربما يصلح هذا الأمر لتفسير الخلاف بين الجانبين الأكاديمي والعملي فيما يخص دور الإعلام الاجتماعي في تعزيز الثقة بين المواطنين وحكومتهم.

وينطبق ذلك إلى حدٍ كبير على ما توصلت إليه لوري بيرنارد؛ إذ يتعلق بحثها بمجموعات “ياهو” النقاشية في عام 2007، وهي منصة تفتقر إلى الكثير من التنوع كما فقدت رواجها منذ فترة طويل، ويصعب ربطها باستراتيجيات الإعلام الاجتماعي في الوقت الراهن. ومثلًا يصعب الحديث الآن عن المشاركة بين الشرطة والمواطنين في الإعلام الاجتماعي دون الإشارة إلى نماذج الاستفادة من شبكة “نكست دور”.

وفي كثيرٍ من الأحيان لا يصب مرور الوقت في صالح الدراسات الأكاديمية عالية الجودة، إذ يؤدي إلى تراجع قوة النظريات، وخسارة الموضوعات الرائجة جاذبيتها وأهميتها وسرعان ما تتحول إلى قضايا قديمة، ويتضح ذلك خصوصًا عند دراسة الإعلام الاجتماعي باعتباره مجال بالغ الحيوية؛ إذ تتغير أنماط الاستخدام سريعًا وتتأسس منصات جديدة في كل عام تهدف بعضها إلى التفوق على المنافسين القائمين واحتلال مكانتهم، وتسلك أخرى مسارها الخاص وتفتح مجالًا جديدًا للمنافسة.

وفي حين تناولت بيرنارد مجموعات “ياهو”، يدرس سكول إمكانية استخدام مدينة كوليج ستيشن تطبيق “سناب شات” كسبيلٍ للتفاعل مع المواطنين الأصغر سنًا، وهو تطبيق تأسس فقط في عام 2011.

ولا يصعب الحصول على دراسات أكاديمية كمية تعنى بالبحث في خدمات الإعلام الاجتماعي الرئيسية التي يُشار إليها كثيرًا باسم “الثلاثة الكبار”، وتشمل “فيسبوك” و”يوتيوب” و”تويتر”. وفي المُقابل يتنامى تنوع استخدام الإعلام الاجتماعي ولاسيما بين الشباب والمراهقين، وتتغير تفضيلاتهم سريعًا، وبالتالي تُتيح محاولة فهم الإعلام الاجتماعي من خلال الخدمات الرئيسية فقط منظورًا محدودًا للغاية؛ ففي حين قد يعتقد البعض بإدراكهم لهذا الواقع سريع التغير تظهر منصات جديدة أو تتراجع بعض الخدمات واسعة الانتشار. ولذلك ينبغي على الباحثين الأكاديميين ملاحظة الفارق بين حال منصات الإعلام الاجتماعي وقت البحث وواقعها عند نشر دراساتهم فعليًا.

ولا يبدو غريبًا توصل الدراسات الأكاديمية الكمية إلى وجود مجال كبير لتحسين تفاعلات الإعلام الاجتماعي بين المواطنين والحكومات. ويُضاف إلى ذلك تحيز سياسات وممارسات تنظيمية ضد الإعلام الاجتماعي حتى في المنظمات التي تستخدم هذه المواقع.

وتُوجه القواعد الحاكمة لاستخدام التمويل الفيدرالي مشروعات المجتمع المحلي نحو وسائل التواصل الأقدم مثل الاجتماعات العامة والبريد التقليدي، دون أن تُشر إلى البريد الإلكتروني ونحوه من طرق التواصل العصرية. كما أن القوانين المحلية ليست أفضل حالًا، وبالتالي يُقدر دور الإعلام الاجتماعي بأقل من قيمته الفعلية.

ويُواجه المسؤولون مهمةً صعبة؛ فيُعاني البعض منهم من عدم الفهم الكافي لطبيعة الإعلام الاجتماعي أو مقاومة منظماتهم للتغيير الأمر الذي يدفعهم إلى بعض الخجل في توظيف الأدوات الجديدة، ويُفضل بعض كبار المسؤولين النأي بأنفسهم عن استراتيجيات التفاعل عبر الإعلام الاجتماعي وتفويض هذه المهمة إلى موظفين أصغر سنًا.

وكما هو الحال في كثيرٍ من القضايا، تلجأ الحكومة وغيرها إلى الوسط الأكاديمي من أجل علاج مشكلات عامة مهمة، لكن فيما يخص الإعلام الاجتماعي ربما لا تنجح الحلول الأكاديمية سوى بتوصلها إلى دراسات تتناسب مع التغير التكنولوجي المتواصل تقريبًا. وحتى ذلك الحين يستمر الموظفون والمسؤولون في بذل الجهد للوفاء بوعود الإعلام الاجتماعي في تحسين التفاعلات بين المواطنين والحكومات بغض النظر عن آراء الباحثين.