هل يُقدم الدخل الأساسي حلًا لمشكلات سوق العمل بسبب التكنولوجيا؟

يتخوف كثيرون من آثار التكنولوجيا على سوق العمل واحتمالات خسارة ملايين الأشخاص لوظائفهم بسبب توسع استخدام الروبوتات والذكاء الاصطناعي، وهو تهديد يطول مختلف القطاعات تقريبًا من المصانع والمزارع إلى المحاماة والمحاسبة والطب والتحليل الاقتصادي والصحافة ويتضح أكثر في الدول المتقدمة.

وتتباين الآراء في تقدير آثار البطالة الناشئة عن التكنولوجيا الجديدة بين من يرى أنها ستقود إلى استبدال وظائف اليوم بأخرى جديدة كليًا، ومن يتوقع أن المجتمعات ستنجح ببعض الجهد وتطوير التعليم في التكيف كما حدث مع تطورات سابقة، كما ستُسهِم التكنولوجيا نفسها في خفض تكاليف المعيشة. ومثلًا وفّر انتشار الهواتف الذكية الحاجة إلى كاميرات ومعدات للاتصال عبر الفيديو والاستماع إلى الموسيقى، وستُقلل السيارات ذاتية القيادة من تكاليف المواصلات وتحد من الإقبال على السكن في مناطق مزدحمة وبالتالي ستتراجع تكاليف الإسكان.

وتتعالى الأصوات المؤيدة لتطبيق الدخل الأساسي الشامل أو الدخل غير المشروط لمواجهة البطالة التكنولوجية. ويعني تقديم الحكومة للمواطنين مبالغ مالية منتظمة ودون شروط ولا ترتبط بأي دخل يحصلون عليه من مصادر أخرى لضمان مستوى معيشي معين. ولا تُعد فكرة الدعم المالي المباشر لمعالجة المشكلات الاجتماعية جديدة، وطرح الفيلسوف البريطاني الأمريكي توماس بين الفكرة ذاتها في عام 1797، ودعا إلى تقديم الحكومة راتب سنوي يبلغ 15 جنيه إسترليني لكل بالغ.

وخلال العقد الماضي زاد الاهتمام بالفكرة واكتسبت تأييدًا من تيارات فكرية متباينة ودول مختلفة ومن قطاع التكنولوجيا باعتبارها طريقة لتعزيز العدالة الاجتماعية والحد من التفاوت. ورافق الاهتمام تزايد القلق من ضعف معدلات النمو في الأجور منذ مطلع القرن الحادي والعشرين وعجزها عن تحسين مستويات المعيشة، ومخاوف متنامية من أضرار الثورة التكنولوجية على فرص العمل في المستقبل.

ويُعدد أنصار الدخل الأساسي ميزات منها دوره في تحسين الوضع المالي لأشخاص يعملون دون مُقابل مثل الأمهات غير العاملات، وسماحه لكثيرين باستثمار الوقت والمال في التعليم والتدريب وتجربة أعمال جديدة أقرب لاهتماتهم دون ضغوط اقتصادية، وتقليله المخاطر المرتبطة بريادة الأعمال، فضلًا عن منحه العاملين مساحةً أكبر للتفاوض مع أصحاب الأعمال ودفع الشركات نحو تحقيق المساواة والاستثمار في رفع مستويات الإنتاجية.

وتبحث دولٌ عدة إطلاق برامج تجريبية لاختبار تأثير الدخل الأساسي الشامل على الناحية الاقتصادية والسلوكيات الإنسانية. وفي مطلع هذا العام بدأت فنلندا برنامجًا تجريبيًا يستمر لعامين، واختارت عشوائيًا ألفيّ مواطن من العاطلين عن العمل، سيحصل كلٌ منهم على ما يُعادل 587 دولار شهريًا، وستقتطع من أية إعانات حكومية أخرى يحصلون عليها، وسيستمر تقديمها حتى بعد حصولهم على وظائف. وتسعى الحكومة إلى تقييم آثار البرنامج في تقليل الفقر والاستبعاد الاجتماعي والبيروقراطية والبطالة.

وتُخطط حكومة مدينة أوتريخت الهولندية لتقديم دخل شهري يبلغ نحو 1100 دولار شهريًا لعددٍ من مواطنيها ممن يتلقون إعانات حكومية لمدة عامين. ووفقًا للاقتراح سيُقسَّم المشاركون إلى ستة مجموعات تحصل كلٌ منها على مبلغ مختلف قليلًا بحسب ظروف مختلفة. ومثلًا ستتلقى إحداها بالإضافة إلى المبلغ الأصلي 150 يورو في نهاية الشهر عند قيامها بأعمال تطوعية، وستنال أخرى 150 يورو إضافية مطلع الشهر وستلتزم بردها إذا لم تُؤدي أعمالًا تطوعية.

وبدأت الهند في عام 2011 برنامجين تجريبين لدراسة تأثير الدخل الأساسي الشامل في ثماني قرى في ولاية ماديا براديش، وفي البداية حصل كل شخص بالغ من الرجال والنساء على 200 روبية (أي 2.9 دولار تقريبًا) وكل طفل على 100 روبية، وزادت المبالغ لاحقًا. ونُفذت التجربة لمدة عام في قرية قبلية حصل كل بالغ على 300 روبية وكل طفل على 150 روبية وتمت مقارنة النتائج بقرية قبلية أخرى لم تشارك في التجربة.

وأظهرت النتائج الأولية في الهند آثارًا إيجابية للدخل الأساسي الشامل مثل تحسن مستويات التغذية وفقًا لقياس متوسط الوزن لكل عمر، وزيادة القوى العاملة والعمل وليس تراجعه، واتجهت العمالة المؤقتة إلى المشروعات الخاصة في الزراعة والتجارة، وقلت معدلات الهجرة المدفوعة بسوء الأحوال الاقتصادية. وفاقت استفادة النساء من الدخل الأساسي الرجال.

وربما تُمثل تجربة مدينة دوفين في مقاطعة مانيتوبا الكندية على مدار خمسة أعوام بين 1974 و1979 النموذج الأكثر أهمية لتطبيق الدخل الأساسي للمواطنين. وحصلت كل عائلة مستحقة في المدينة ومجتمعات ريفية مجاورة على دخل سنوي من الحكومة.

وترصد بعض التحليلات انخفاضًا في مرات المعالجة داخل المستشفيات وتراجعًا كبيرًا في الحاجة إلى تلقي رعاية صحة بسبب مشكلات الصحة النفسية، وارتفاع معدلات التخرج من المدارس الثانوية، دون تأثير على العاملين بدوامٍ كامل الذين لم يترك أيٌ منهم عمله تقريبًا. ما يعني أن حصول المواطنين على دعمٍ نقدي من الحكومة خفف مخاوفهم الاقتصادية وسمح لهم بالاستثمار والتخطيط على المدى الطويل.

ويعتقد البعض أن السنوات المُقبلة ستشهد تطبيقات مختلفة للدخل الأساسي الشامل. وإن كان ذلك لا ينفي تعقيدات كثيرة ترتبط بتنفيذه مثل كيفية تدبير الموارد المالية اللازمة التي قد تستلزم تعديلات كبيرة في برامج الدعم وفرض ضرائب وبالتالي إثارة نزاعات سياسية واجتماعية وإضافة مشكلات جديدة إلى مسألة الهجرة، وتأثيره على السلوكيات مثل احتمالات أن يُقلل الحوافز الشخصية للتحسن المهني وعواقبه الاجتماعية السلبية.

الصورة