هل يُمكن للسيارات ذاتية القيادة الحد من مُشكلة ازدحام المرور؟

غالبًا ما يكون العثور على مساحة لانتظار السيارة في مناطق وسط المدن مهمة بالغة الصعوبة؛ إذ ينجم عن وجود الكثير من السيارات التي تبحث عن أماكن قليلة مُتاحة للانتظار الاختناق المروري والتلوث، فضلًا عن الانزعاج الذي يُصاحب عملية البحث عن مكان لإيقاف السيارة.

ووفقًا للمعهد الدولي لإيقاف السيارات International Parking Institute، ترجع نسبة 30% من المرور في وسط المدينة إلى السائقين الذين يتنقلون بسياراتهم في الشوارع بحثًا عن مكانٍ خال لانتظار سياراتهم. وفي حين أن توفير مرائب للسيارات قد يُعالج هذه المشكلة، إلا أنه يعيبها تكلفتها الباهظة التي قد تتراوح بين عشرين إلى خمسين ألف دولار لكل مساحة مُخصصة للسيارة بحسب تكاليف التطوير والإنشاء، ونظرًا لأنها تحظى بدعم إدارات المدن فغالبًا لا يدفع السائقون المُقابل الحقيقي لاستخدامها كما يرى نورمان جاريك، أستاذ الهندسة المدنية والبيئية في “جامعة كونيتيكت” الأمريكية.

واتجهت بعض المدن للاستعانة بأدوات استشعار تُتيح التعرف على خلو مكان لإيقاف السيارات، بما يسمح للسائقين من خلال هواتفهم الذكية معرفة التوقيت والمكان المُلائمين الذي يُمكنهم إيقاف سياراتهم فيه. لكن هذه التكنولوجيا لا تزال في مهدها، ولم تُقلل من مساحة الأرض اللازمة لانتظار السيارات في وسط المدن، وبالتالي فقد يكون الحل للمشكلات الناجمة عن انتظار السيارات أكثر طموحًا بكثير.

ومثلًا وقعت مدينة سومرفيل في ولاية ماساتشوستس الأمريكية اتفاقًا مع شركة “أودي” الألمانية لصناعة السيارات، لا يتضمن فقط تصنيع الشركة لسيارات ذاتية القيادة، بل تقديمها البنية التحتية التي تحتاجها وتسمح بها هذه التكنولوجيا، ويُمكن أن تُوفر للمدينة مبلغًا يصل إلى مائة مليون دولار بحسب “أودي”.

ويُمكن لهذا المفهوم أن يُفيد المدينة من أكثر من ناحية؛ إذ تحتاج السيارات ذاتية القيادة أولًا إلى مساحة أقل لتتمكن من إيقاف نفسها، الأمر الذي يسمح للمرائب باستيعاب أعداد أكبر من السيارات، وقد تصل نسبة الزيادة إلى 60% وفقًا لشركة “أودي”.

وثانيًا تنفي السيارات ذاتية القيادة الحاجة إلى توفير مرائب السيارات في منطقة وسط المدينة؛ إذ يُمكن للسائقين ومرافقيهم مغادرة السيارات حيثما يريدون، لتتولى السيارات قيادة نفسها إلى أماكن انتظار مُخصصة في محيط وسط المدينة.

وثالثًا ففي ظل وجود مرائب قادرة على استيعاب أعداد أكبر من السيارات، لاتحتاج المدن إلى تخصيص مساحة كبيرة للأرصفة الجانبية لانتظار السيارات، ما يُوفر مساحات ثمينة من الأرض يُمكن تخصيصها للمواصلات العامة وحركة المشاة وراكبي الدراجات، ويحد من الازدحام الناجم عن تنقل السائقين بحثًا عن أماكن لانتظار سياراتهم.

وتُعد سومرفيل، التي تقع على مسافة دقائق قليلة من وسط بوسطن، المدينة الأكثر اكتظاظًا بالسكان في منطقة نيو إنجلاند، ويسكنها 78 ألف شخص في مساحة تزيد قليلًا عن أربعة أميال مربعة، وتزداد حدة مشكلة الازدحام في المدينة حتى أنها حددت هدفًا بتحويل 50% من الرحلات عبر السيارات إلى الدراجات والمواصلات العامة. وقال عمدة سومرفيل، جوزيف كورتاتوني: “لكننا أدركنا حقيقة أن للسيارات دور لتلعبه أيضًا”.

ومن المُقرر أن تبدأ تجارب مشروع الإيقاف الذاتي للسيارات في عام 2018 في منطقة تحمل اسم “أسمبلي رو” Assembly Row. وكانت منطقة صناعية سابقًا، وتأمل سومرفيل في تحويلها إلى مساكن ومكاتب ومساحات للمتاجر ومرافق ترفيهية وفندق.

وفي الوقت الراهن تُخصص نحو 40% من مساحة المنطقة في مشروع “أسمبلي رو” لمساحات انتظار السيارات. وبحسب شركة “أودي”، يُمكن للمرائب المُخصصة لسيارات يُمكنها إيقاف نفسها ذاتيًا توفير 26% من مساحات الانتظار لأغراضٍ أخرى، وتُقدر الشركة قيمة كل مكان مُخصص لسيارة بخمسة وعشرين ألف دولار، ما يُوفر إجمالًا مائة مليون دولار تقريبًا بحلول موعد اكتمال المشروع في عام 2030.

وتُتيح تكنولوجيا السيارات ذاتية القيادة إيقاف السيارات بدقة كبيرة تكفيها مسارات باتساع ثلاثة أمتار، ما يدع فقط عشرة سنتيمترات كفاصل بين مرايا السيارات المُتوقفة بحسب “أودي”. ومن خلال إمكانية إيقاف أعداد أكبر من السيارات في مساحةٍ أقل، تقول الشركة أنه من المُمكن تقليل مساحات الانتظار بنسبة تتراوح بين 60 إلى 80% في بعض الحالات.

ويُشار في هذا الصدد إلى أن التكنولوجيا التي تُتيح إرشاد السيارات للتوقف ذاتيًا في المساحات الضيقة مُتاحة بالفعل، لكن حتى بعد إتمام الاختبارات في مدينة سومرفيل سيستغرق الأمر بضعة سنوات قبل أن تلمس المدن تأثيرًا ملحوظًا على الازدحام في المناطق الرئيسية، إلى جانب استغلال أرصفة الانتظار في استخدامات أخرى.

ومع ذلك، يعتقد كورتاتوني أن الابتكار لا يحدث حين تُختبر التكنولوجيا وتثبت فاعليتها، بل يجب أن يبدأ الآن إذا ما رغبت المدينة في معالجة المُشكلات المرتبطة بالازدحام والتنقل قبل أن ترتفع تكلفة حلها كثيرًا.

ويرى كورتاتوني أن الابتكار سيحدث على مستوى المدن وليس على مستوى الولايات والبلد ككل. وقال: “لقد كانت المدن مُبتكرة ووكلاء التغيير فما يخص النقل والاستدامة”، وأضاف أن ذلك يتجاوز كيفية قيادة السيارات وإيقافها، ويمتد إلى كيفية عيش المجتمع.

المصدر