“واتس آب” في انتخابات تنزانيا: كثير من الدعاية وقليل من النقاش الجاد

عند الحديث عن العلاقة بين الإعلام الاجتماعي والسياسة، غالبًا ما يجري التركيز على تواصل الساسة مع الناخبين من خلال مواقع مثل “فيسبوك” و”تويتر” واستخدامها للدعاية، إلا أن الوضع يختلف قليلًا في أفريقيا؛ إذ تجاوز دور الهواتف المحمولة في بعض دولها مثل كينيا مجال الاتصالات إلى تغيير قطاعات رئيسية مثل الخدمات المالية.

وفي تنزانيا، شرقي القارة الأفريقية، غيّر تطبيق التراسل الفوري للهواتف الذكية “واتس آب” من طبيعة الاتصالات السياسية في البلاد التي يسكنها نحو 51 مليون نسمة، وتحول إلى منصة نشطة لبث رسائل الأحزاب السياسية إلى الناخبين، وإن غلب عليها مهاجمة المعارضين ونيل رضا المؤيدين دون الكثير من النقاش الجاد.

وتنتظر تنزانيا انتخابات عامة جديدة لاختيار برلمان ورئيس جديدين في الخامس والعشرين من شهر أكتوبر/تشرين الأول الجاري. ويتنافس فيها جون ماجوفولي مرشح حزب “تشاما تشا مابيندوزي” الحاكم، وإدوارد لواسا الذي يُمثل تحالف المعارضة “أوكاوا”.

وبحسب تقرير نشره موقع “كوارترز”، قال متخصص في استراتيجيات الإعلام الرقمي طلب إخفاء هويته، أن تطبيق “واتس آب” صار الأداة المُفضلة للدعاية والتشهير والرسائل السلبية، واعتبره التطبيق الأكثر مُلائمةً لنشر ما لا يُمكن للأحزاب قوله علانية.

وعلى الرغم من قلة البيانات المُتوافرة حول استخدام “واتس آب” في تنزانيا، إلا أن المشتغلين بالسياسة يُسارعون إلى التطبيق؛ نظرًا لانتشاره بين مختلف الفئات العمرية من بين مستخدمي الإنترنت في تنزانيا البالغ عددهم أحد عشر مليون شخص، وذلك بعكس مواقع الإعلام الاجتماعي مثل “فيسبوك” و”تويتر”.

ويُسهِم في انتشار “واتس آب” بيع الكثير من الهواتف المحمولة في تنزانيا مُزودة مُسبقًا بالتطبيق، بحسب ما قال ماكسينسو ميلو، المُؤسس المُشارك في “منتديات جامي” التي تُعد أحد أكثر مواقع الإنترنت شعبية في البلاد. وأضاف أنه في ظل افتقار بعض الأشخاص للمهارة الفنية اللازمة لتنزيل التطبيقات، ينتشر “واتس آب” بفضل الهواتف المحمولة المميزة والصينية.

وعلاوةً على ذلك، تُوفر شركات الاتصالات باقات رخيصة للبيانات بحسب الطلب، ما رفع من شعبية “واتس آب”. ويُمكن للمستخدم شراء 60 ميجابِت من البيانات لمدة تصل إلى أسبوع مُقابل ألفي شلن تنزاني أي ما يُعادل دولار واحد.

ويُقدر ميلو عدد مستخدمي “واتس آب” بثمانية مليون مستخدم، ما يزيد كثيرًا عن 2.5 مليون مُستخدم لموقع “فيسبوك”. وفي حين لم ينشر “تويتر” أرقام مُحددة لأعداد مُستخدميه في تنزانيا، إلا أن مصادر محلية تُقدر عددهم بسبعمائة ألف مستخدم.

وفيما يتعلق باستخدام الأحزاب السياسية لتطبيق “واتس آب”، وصفه المتحدث الرسمي باسم الحملة الانتخابية للحزب الحاكم ونائب وزير الإعلام والعلوم والتكنولوجيا المُنتهية ولايته، جانيوري ماكامبا، بأنه منصة يسهل استخدامها لنشر الدعاية، ويكون الكثير منها سلبيًا.

وقال ميلو: “يُشارك الأشخاص الكثير من الأشياء، لكن يستخدمونه أساسًا للتلاعب”. وعلى سبيل المثال يكثر تبادل اللقطات المُعدلة ببرامج تحرير الصور التي يُبين فيها كل طرف الصعوبات التي يُواجهها معارضيه.

ويتطلب تبادل الرسائل في “واتس آب” الحصول على أرقام الهواتف، ما جعل الأحزاب السياسية بحاجة إلى وكلاء تدفع الرسائل من خلالهم إلى شبكاتهم من الأصدقاء والمعارف. ووصف محلل الإعلام الرقمي محتوى الرسائل بالسطحي وغير المهم، لافتًا إلى تركيزه على استرضاء المؤيدين ومهاجمة المعارضين.

ويُوفر “واتس آب” سبيلًا للأحزاب السياسية التنزانية لاختبار الرسائل السلبية التي يرغبون في نشرها بين دوائر إخبارية أوسع، وتلعب نتائجه دورًا قائدًا لتحديد خطواتها في المراحل التالية؛ ففي حال لاقت الرسائل صدى في الدوائر القريبة من وكلائها في “واتس آب”، ينقلها منظمو الحملات السياسية إلى منصات الإعلام الاجتماعي الأخرى مثل “تويتر”، ومنها إلى قنوات الإعلام التقليدي.

وعلى الرغم من الطبيعة المُغلقة لتطبيق التراسل “واتس آب”، إلا أن شعبيته بين مستخدمي الهواتف في تنزانيا يمنح نشر الرسائل من خلاله فرصًا أكبر للانتشار تفوق مواقع الإعلام الاجتماعي، وفقًا لرأي ميلو. وأوضح أنه يشترك في عشرين مجموعة في “واتس آب”، وبالتالي فإذا ما كان لديه رسالة يرغب في نشرها، يُشاركها في جميع هذه المجموعات، ومن المُرجح أن يقوم أحد المُشاركين فيها ببثها في مجموعات أخرى، ما يُحقق لها رواجًا واسعًا على الفور.

لكن انتشار الرسائل السياسية بين مستخدمي “واتس آب” في تنزانيا لا يعني تحوله إلى منصة للنقاشات الجادة، وفي الواقع يندر النقاش الهام والجاد بين رسائل “واتس آب”، ويغلب عليها الأحاديث العبثية والصور المُعدلة والساخرة والشعارات الرائجة التي يسهل استيعابها بالنسبة لبعض الناخبين الباحثين عن محتوى سريع للاستهلاك دون أن يعنيهم جوهر الأمور، بحسب ما يرى مُحللون.

ونسب تقرير “كوارترز” إلى المُتخصص في تخطيط استراتيجيات الإعلام الرقمي قوله: “هذه انتخابات يقودها الإعلام الاجتماعي، ويرغب الناس في الاستهلاك السهل لمحتوى لا يتطلب الكثير من التفكير”. وشبه رؤية الجمهور للأمر كمنافسة بين فريقي “تشيلسي” و”أرسنال” لكرة القدم، دون أن يمس قضايا فعلية.

مصدر الصورة