وظائف المستقبل تستدعي تغييرًا في التعليم الجامعي

إلى جانب الوظائف المعتادة في الطب والهندسة والتحليل المالي تظهر حاليًا مسميات وظيفية جديدة يبدو بعضها غامضًا ترتبط بمجالات مثل التسويق الرقمي والذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات والجرائم الإلكترونية، ويتنامى الطلب على الكفاءات البشرية الملائمة.

وتتميز الوظائف الجديدة برواتبها المرتفعة، وحاجتها إلى مهارات متنوعة من تخصصات مختلفة لا تُدرسّها الجامعات عادةً كحزمة واحدة. ويرى جوزيف عون، رئيس “جامعة نورث إيسترن” الأمريكية، أن الجامعات بحاجة للتكيف مع هذا التغيير وتقديم برامج دراسية ملائمة.

واستند رأي عون على نقاشاته مع أصحاب الأعمال من قطاعات مختلفة. وإلى جانب تأكيدهم النقص المعروف في الكفاءات المتخصصة في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، قالوا أن الموظفين الأكثر أهمية هم من يستطيعون العمل في فرقٍ معقدة متعددة التخصصات تشترك في حل مشكلة معينة، ويُجيدون استيعاب الأدوار المختلفة لكل فرد، والتفكير عبر أنظمة معقدة.

ومن أجل هذا النوع من التفكير النظمي Systems Thinking، أي فهم الروابط بين مكونات الأنظمة والتفاعلات فيما بينها، لن تكفي المعرفة العميقة في مجالٍ واحد. ووصفت أندريا كوكس، من قسم هندسة الطيران في شركة “جنرال إلكتريك”، فرق عمل قد تتألف من مئات المتخصصين من المهندسين والمصممين، يهتم جميعهم بالعناصر المختلفة لتصميم محرك الطائرة. ويتعين على المهندسين فهم كيفية عمل كل جزء، وتوافقه مع الوحدة التابع لها، وعلاقة الوحدة بالمحرك، ثم تناسب المحرك مع الطائرة بأكملها.

وبالتأكيد ستتواصل حاجة الموظفين إلى المعرفة العميقة بأحد المجالات أو أكثر. ويتطلب نجاح الجامعات في تدريس شكل أوسع من التفكير النظمي لخريجي المستقبل: التدريس الموضوعي لتخصصات مختلفة، والتعلم القائم على المشروعات، وإتاحة المجال أمام الطلاب للتجريب.

وضرب عون مثالًا بتدريس الاستدامة في “جامعة نورث إيسترن”، فلا يدرس الطلاب العلوم البيئية فقط، بل يضيفون إليها الهندسة والفيزياء والاقتصاد وتحليل البيانات وعلوم الصحة والقانون والتخطيط الحضري، وهي مجالات ترتبط بعملهم في قضايا الاستدامة في العالم الحقيقي.

كما لا تتعامل الدورات الدراسية مع هذه المواد بشكل منفصل، بل تتضمن مشروعات عملية تمنح الطلاب فرصًا لدمج المعارف المختلفة كتطوير روبوتات مزودة بأجهزة استشعار وتُحاكي الكائنات البحرية لقياس التغيرات في حرارة مياه المحيطات.

وعلاوةً على ذلك، تسمح الفرص التعليمية التجريبية مثل التدريب في الشركات للطلاب بتطبيق ما تعلموه في سياق الواقع بما فيه من فروق دقيقة. ومثلًا عملت إحدى طالبات “نورث إسترن” مع شركة تتبع “هيئة قناة بنما” وأشرفت على مشروع لتصميم أنظمة حصاد مياه الأمطار وحساب تكاليفها لمساعدة المدارس الريفية القريبة، ودمجت التجربة مفاهيم من الهندسة والعلوم والبيئية والاقتصاد وغيرها، وقدمت نموذجًا لدور التفكير النظمي في العالم الحقيقي.

وفي الواقع يحتاج الطلاب لأكثر من هذا كله لإجادة المهارات المُميزة لاقتصاد المستقبل؛ بسبب تعقد فرق العمل الحالية، وأهمية الأنظمة المعقدة في الحياة اليومية كالعلاقة المتشابكة بين الأجهزة والبرمجيات والبشر، والتطور السريع في الهواتف الذكية، وإنترنت الأشياء، والسيارات ذاتية القيادة.

وسيُطلق العالم الجديد عصرًا جديدًا في التعليم العالي يُساعد الطلاب على فهم عمق الأنظمة المتشابكة للأشخاص والبرامج والآلات في أماكن العمل، ويُؤهلهم للأعمال المعتمدة على الأنظمة التي تحتاجها وظائف الغد.

الصورة