ولاية نورث داكوتا الأمريكية تسعى لتأسيس “وادي السيليكون” للطائرات بدون طيار

على غرار وادي السيليكون في ولاية كاليفورنيا الأمريكية، الذي يحتضن مقرات بعض من أهم شركات التكنولوجيا في العالم، تسعى ولاية داكوتا الشمالية إلى تأسيس “وادي السيليكون” ولكن للطائرات بدون طيار. وترى الولاية، التي تقع على الحدود الأمريكية الكندية، أن بإمكانها تحويل الطائرات بدون طيار أو “المركبات الجوية غير المأهولة” من هواية مُتنامية إلى صناعة كاملة.

ويعتقد المسؤولون في داكوتا الشمالية أنه كما اعتمدت بداية وادي السيليكون على التطبيقات العسكرية ودعم الجامعات، يُمكن اتباع النهج ذاته مع الطائرات من دون طيار عبر تأمين المال والمعرفة اللازمين. وقال حاكم الولاية، جاك دالريمبل: “الإمكانات هائلة هنا”، وأضاف: “لا يتعلق الأمر بدعم شركة أو اثنتين، بل بتوفير الموضع الأكثر تقدمًا للصناعة”.

وفي الوقت الراهن تمر الطائرات بدون طيار بفترة تُشبه تلك التي شهدتها الحواسيب الشخصية في سبعينيات القرن العشرين، حين كانت تستعد للتحول من تكنولوجيا مُوجهة للمتخصصين والهواة إلى الجمهور العام. وتقول شركة “جارتنر” للأبحاث أنه وبصرف النظر عن العقبات التنظيمية، قد يصل حجم صناعة الطائرات بدون طيار في الولايات المتحدة إلى سبعة مليارات دولار خلال عشرة أعوام.

وتُدرك الشركات الكبيرة والمُبتدئة الفرص الكثيرة في هذا المجال. وفي شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي نشرت “أمازون” فيديو يُظهِر عمل طائراتها بدون طيار في توصيل البضائع. وبالمثل تنخرط “جوجل” و”فيسبوك” في مشروعات كبيرة للطائرات بدون طيار.

وفي وقتٍ سابق من عام 2015، نالت شركة “دي جيه أيه” DJI الصينية، التي تُعد أكبر مُنتج للطائرات بدون طيار الصغيرة في العالم، تمويلًا بقيمة عشرة مليارات دولار.

وفي حين تتسبب الطائرات بدون طيار في الكثير من المخاوف حول انتهاكها للخصوصية وتهديدها لأمن الطائرات التجارية وعمليات إطفاء حرائق الغابات، وحتى حوادث مثل سقوط إحداها في حديقة “البيت الأبيض”، ترى ولايات أمريكية تعتمد على أنشطة الزراعة والنفط والسكك الحديدية فيها فوائد جمة وعملية تدفعها لدعمها.

وعلى سبيل المثال، يُمكن للطائرات بدون طيار المُزودة بإمكانية التصوير بالأشعة تحت الحمراء تحديد مدى جودة المحاصيل، وبمقدور الكاميرات الكشف عن مواضع التسريب والشقوق في الأنابيب، كما يُمكن الاستفادة من الطائرات بدون طيار صغيرة الحجم في فحص شفرات طواحين الهواء، بالإضافة إلى دورها في تسهيل متابعة قطعان الماشية.

وتمتد ولاية داكوتا الشمالية على مساحة 183 ألف كيلومتر مربع، وتتميز بمساحات مفتوحة شاسعة خلافًا لغيرها من الولايات الأخرى ذات الكثافة السكانية المنخفضة، ويُتيح ذلك مجالًا واسعًا لاختبار الطائرات من دون طيار دون مخاوف من أضرار اصطدامها. وعلى مدار سنوات اجتذبت الولاية رواد الأعمال في مجالات الزراعة والتنقيب عن النفط والغاز الطبيعي، وحاليًا يرغب جيلٌ جديدٌ منهم في الفوز بحصة من السوق المتنامية لتكنولوجيا الطائرات بدون طيار.

وأنفقت ولاية داكوتا الشمالية نحو أربعة وثلاثين مليون دولار لدعم مجال الطائرات بدون طيار، وتتمثل أبرز جهودها في التخطيط لإنشاء أول مدينة صناعية للطائرات من دون طيار بالقرب من “قاعدة جراند فوركس للقوات الجوية” Grand Forks Air Force Base التي تقع على مسافة ثمانين ميلًا أي نحو 128 كيلومتر إلى الشمال من مدينة فارجو، أكبر مدن الولاية.

طائرة بدون طيار من طراز "بريداتور بي" في "قاعدة جراند فوركس للقوات الجوية"، ولاية داكوتا الشمالية

تستخدم “قاعدة جراند فوركس للقوات الجوية” في إطلاق الطائرات بدون طيار للمهام العسكرية ولصالح هيئة “الجمارك وحماية الحدود” الأمريكية والصورة لطائرة بدون طيار من طراز “بريداتور بي”

ويعود تاريخ “قاعدة جراند فوركس للقوات الجوية” إلى فترة الحرب الباردة، لكنها تُستخدم منذ عام 2013 حصرًا لإطلاق الطائرات من دون طيار في المهمات العسكرية ولصالح هيئة “حماية الحدود والجمارك” الأمريكية.

وتنطلق منها طائرات بدون طيار كبيرة مثل طراز “جلوبال هوك”Global Hawk من إنتاج شركة “نورثروب جرومان” Northrop Grumman في مهام استطلاعية تصل إلى إقليم يوكون في كندا وحتى فنزويلا في أمريكا اللاتينية.

وتستخدم هيئة “الجمارك وحماية الحدود” “قاعدة جراند فوركس” لتسيير دوريات من الطائرات بدون طيار الأصغر حجمًا، تصل إلى مدينة سياتل على الساحل الغربي للولايات المتحدة وحتى منطقة البحيرات العظمى في الشمال الشرقي.

وبدلًا من العاملين في ولاية تكساس، أحيانًا ما يتولى الطيارون في “جراند فوركس” أمام الشاشات، التي تقع على مسافة ثمانين ميلًا جنوبي الحدود الكندية، التحكم في دوريات الطائرات بدون طيار التي تُحلق على طول نهر ريو جراندي بين الولايات المتحدة والمكسيك.

ومن بين الشركات التي تشغل مساحات في المنطقة الصناعية الجديدة “نورثروب جرومان”، و”جنرال أتوميكس” General Atomics التي تُنتج طائرة “بريداتور” Predator. وتُدرب هذه الشركات الطيارين عل المبيعات الدولية لإنتاجها.

وتتطلع شركات أخرى إلى تعديل إنتاجها من الطائرات بدون طيار بما يجعلها مُلائمة للمراقبة من ارتفاعات عالية لخطوط السكك الحديدية والأنابيب. وتُدير شركة “إنفولتا” Involta في ولاية أيوا مراكز بيانات، وبدأت عملها في فحص طواحين الهواء في مدينة جراند فوركس، وتعتزم إضافة منشآت جديدة لجمع المعلومات الجوية.

وتعمل شركة أخرى باسم “فيلد أو فيو” Field of View قريبًا من الموقع المُخطط للمنطقة في تصنيع معدات استشعار جوي. ويتعاون “معهد التطبيقات غير المأهولة” Unmanned Applications Institute مع شركات خارج ولاية داكوتا الشمالية في مجالات مثل التصنيع المحلي للطائرات بدون طيار والمستودعات. ويهتم المعهد بدعم صناعة الأنظمة غير المأهولة في الولاية والمنطقة.

وفضلًا عن حضور الشركات في ولاية داكوتا الشمالية، تُسهِم جامعات الولاية في دعم مجال الطائرات بدون طيار. وتُدرب “جامعة نورث داكوتا” الكثير من الطيارين التجاريين ومراقبي الملاحة الجوية الذين ينتمون إلى نحو ثمانية عشر بلدًا، ويدرس فيها مائتا طالب إطلاق الطائرات بدون طيار في برنامج يستمر لأربعة أعوام، وبدأ في عام 2009، وتخرج فيه واحد وستين طالبًا. كما بدأت “جامعة ولاية نورث داكوتا” تنظيم دورات دراسية حول الطائرات من دون طيار.

دورة لتدريس الطائرات بدون طيار في "جامعة نورث داكوتا" الأمريكية

منذ عام 2009 بدأت “جامعة نورث داكوتا” برنمجًا لتدريس إطلاق الطائرات بدون طيار يستغرق أربعة أعوام

وبالإضافة إلى ما تتمتع به الولاية من المنشآت العسكرية والمواهب المُتعلمة لديها مواهب بارزة في مجال التكنولوجيا. ومثلًا اشترت شركة “أمازون” في عام 1999 شركة تبيع مُعدات تطوير لمنازل على الإنترنت في مدينة جراند فوركس، وحاليًا تُطور الشركة برمجيات لخدمات المستهلكين.

وفي عام 2001 دفعت شركة “مايكروسوفت” 1.1 مليار دولار نظير الاستحواذ على “جريت بلينز سوفتوير” Great Plains Software، وتمتلك حاليًا مكتبًا في مدينة فارجو. كما يعمل في المنطقة آلاف من مهندسي البرمجيات إلى جانب وجود عدد غير قليل من أصحاب ملايين الدولارات الذين يتوقون للاستثمار في أحد الاتجاهات البارزة في تكنولوجيا المستقبل.

ومن بين الشركات الناشئة في الولاية “بوتلينك” Botlink المتخصصة في تطوير برمجيات تشغيل الطائرات بدون طيار. وأسسها شوان مويهلر الذي يبلغ من العمر ثلاثين عامًا ويعيش في مدينة فارجو.

وتلقى مويهلر تعلميه كطيار في “جامعة ولاية نورث داكوتا”، وعمل سابقًا ضمن وحدة الحرس الوطني الجوي لولاية داكوتا الشمالية التي أطلقت بعثات للشرق الأوسط وأفغانستان. وفكر في تأسيس مشروعه في مطلع عام 2014 بعدما شاهد خبرًا عن دخول طائرة بدون طيار المجال الحوي لمطار لاجوارديا في نيويورك.

وحينها فكر في ضرورة توفير نوع من البرمجيات يُمكنها إعلام الطائرات بدون طيار بأمور مثل وجود حواجز أو حالة الطقس. وبدأ التعاون مع أحد زملائه في العمل، أليكس كوبا، الذي تولى تطوير البرمجيات. وبعد مضي سبعة أشهر تحدث مويهلر أمام اجتماع لرواد أعمال محليين، وجمع تمويلًا بقيمة خمسمائة ألف دولار من مستثمرين محليين.

وتأسست “بوتلينك” لاحقًا بمُشاركة تيري زيمرمان الرئيسة المالية السابقة لشركة “جريت بلينز سوفتوير”، وتشغل حاليًا منصب الرئيس التنفيذي لشركة “بوتلينك”، إلى جانب إدارتها لشركة “باكيت ديجيتال” Packet Digital المعنية بتصنيع أشباه الموصلات ذات الاستهلاك المُنخفض من الطاقة، والمستخدمة لأغراض منها الطائرات بدون طيار في المجال العسكري.

وفيما يتعلق بطموحات “بوتلينك”، قالت زيمرمان: “نرغب أن نصير بمثابة (مايكروسوفت) في هذا المجال”. وحتى الآن اجتذبت الشركة الناشئة تمويلًا بقيمة ثلاثة ملايين دولار من مستثمري القطاع الخاص. وترى زيمرمان هذا المبلغ يُعادل أربعة عشر مليون دولار في وادي السيليكون.

المصدر والصور