كيف تُساعد البيانات الضخمة في مُكافحة الإيدز في أفريقيا؟

أحيانًا ما تقود معرفة الحقائق إلى حلول مُثيرة للدهشة تُخالف التصورات الأولى للكثير من المشكلات، وربما هذا ما تبين من خلال دراسة اعتمدت على تحليل البيانات في سعى لتحسين سُبل تشخيص إصابة الرضع في موزمبيق بفيروس العوز المناعي البشري المُسبب لمرض الإيدز.

ويُعد انتقال “فيروس العوز المناعي البشري” أو “إتش آي في” من الأم إلى طفلها أحد العوامل الرئيسية التي تتسبب في تزايد انتشار الإيدز في أفريقيا، وفي الوقت نفسه يُمكن الوقاية منه إلى حدٍ كبير. ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية، ففي حال توافر العلاج الفعّال قبل الولادة تصل معدلات الانتقال إلى 5%، بينما ترتفع إلى 45% حال تُرك دون علاج، هو ما يشيع حدوثه بالفعل في البلدان النامية.

وتزداد أهمية اختبار الإصابة بعد الولادة في التعرف على الإصابة بالفيروس بين المواليد الجدد وعلاجهم، لكن حتى مع توافر الاختبارات يستغرق وصول النتائج وقتًا طويلًا، الأمر الذي قد يكون له آثاره المُدمرة؛ إذ أن بقاء “فيروس العوز المناعي البشري” دون علاج خلال العام الأول من عمر الرضيع قد يكون قاتلًا. ولا تقتصر المشكلة على الوقت اللازم لإنجاز الاختبارات الفعلية، بل تشمل أيضًا الطرق غير المُتوقعة لنقل العينات من العيادات الطبية إلى المُختبرات.

ولذلك فكر جيريمي جالين، الخبير في الأمور اللوجستية والأستاذ في “كلية لندن للأعمال”، في مُعالجة المشكلة باللجوء أولًا إلى دراسة العمليات اللوجيستية في تجارة التجزئة كما تحدث في سلسلة متاجر “زارا” للأزياء ومتجر آخر للبيع عبر الإنترنت.

وتوصل جالين إلى العوامل المشتركة بين تجارة الملابس والتجزئة من جانب، والعمل في إنقاذ حياة الأطفال في أفريقيا من جانبٍ آخر. وقال أن اللغز الأساسي في التخطيط الطبي يُماثل نظيره في تجارة التجزئة، ويكمن في كيفية تحقيق التوازن المُلائم بين الإشباع الفوري للحاجات ورشاقة النظام العام وسرعة التصرف.

ويتضح ذلك بالنظر إلى طريقة توزيع سلاسل المتاجر لمخزونها؛ فحين تعرض جميع المخزون في المتاجر بدلًا من مراكز التوزيع، وبالمثل حين تضع هيئة طبية الأدوية في العيادات بدلًا من الاحتفاظ بها في منشأة مركزية، يُمكن للمتاجر البيع أسرع وكذلك يُمكن علاج المرضى في تلك الأماكن أسرع كثيرًا، لكن في حال أخطأت المتاجر أو الهيئات الطبية في تحديد حجم الطلب يصير نقل المواد إلى الأماكن التي تحتاج إليها أمرًا أكثر صعوبة.

وتُمثل موازنة تلك الاهتمامات الجانب المحوري في فهم مشكلة مُحددة. وفي حالة موزمبيق توصل جالين، إلى جانب الباحثين المُشاركين سارانج ديو ويوناس أودور جوناسون، إلى إجابة مُثيرة للدهشة. واقترح فريق البحث من أجل تسريع نتائج الاختبارات أن تصير منشآت الاختبار شديدة المركزية بدلًا من توزيعها، وفي حين أن ذلك يُبطيء قليلًا من متوسط مرات انتقال العينات، فإن الكفاءة في معالجة الاختبارات ستعوض هذه المشكلة وأكثر.

وبنى فريق البحث هذا الاقتراح على دراسة قدر ضخم من البيانات جُمعت بالتعاون مع “مُبادرة كلينتون للوصول الصحي” و”المعهد الوطني للصحة في موزمبيق”. وقال جالين: “أتُيح لنا الوصول إلى مجموعة بيانات تمتد لأكثر من عام من الشحنات المتجهة من العيادات إلى المختبرات والعكس، مصحوبةً بالوقت”.

وبلغ ذلك أكثر من ثلاثين ألف سجل تضمنت معلومات حول نتائج المرضى ومشاركتهم. وسمحت هذه البيانات للباحثين بالحصول على رؤية دقيقة وواسعة النطاق لأوقات انتقال العينات التي بلغت في المتوسط عشرة أيام. وقال جالين: “تقود زيادة وقت النقل إلى ثلاثة عشر يومًا إلى الحاجة إلى موقعين لإجراء الاختبارات”.

ويؤدي ذلك إلى مُشكلة أكثر تعقيدًا تتعلق بكيفية توجيه العينات إلى المختبرات، وقارنها جالين بعلاقة التجزئة بين المستهلكين والمستودعات. وكشفت البيانات عن أحد الأبعاد البشرية بالغة التعقيد للمشكلة، وتتمثل في الارتباط بين وقت إنجاز الاختبار ومُتابعة السيدات المُستهدفات بالرعاية الصحية؛ فحين يستغرق وصول النتائج أكثر من ثلاثين يومًا تتراجع كثيرًا احتمالات عودة أمهات الأطفال من أجل الحصول على النتائج أو العلاج.

وأرجع جالين ذلك إلى ما يتضمنه الأمر من وصمة وأثر نفسي شديد الصعوبة بمعرفة المرأة حقيقة نقلها “فيروس العوز المناعي البشري” إلى طفلها، ووصفه بالسياق النفسي الصعب. ويُضاف إلى ذلك شعور الإحباط الناجم عن بطء النتائج وأثره في ضعف الارتباط. ويُمكن تشبيه ذلك، وإن كان حجم الضرر لا يُقارن، بما يجري في تجارة التجزئة ودور التوفير السريع للبضائع في تسهيل اتخاذ المستهلكين للقرارات والتزامهم بها.

ولا تزال سلطات موزمبيق تُعالج توصات دراسة جالين ورفاقه، لكنه قال أن أوغندا بدأت بالفعل تنفيذ مجموعة مُشابهة من الحلول. ويرى أن التحول إلى التخطيط المُعتمد على البيانات يفتح المجال أمام إمكانات كبيرة لتحسين الرعاية الصحية عالميًا، ولاسيما في البيئات التي تتوافر على موارد محدودة ووقت محدود، وهو أمر يُمكنه تحسين النتائج فعليًا.

المصدر

مصدر الصورة