هل من الضروري تدريس البرمجة لأطفال المدارس؟

يُدافع عددٌ غير قليل من خبراء التعليم والساسة عن تدريس مهارات البرمجة للأطفال في سن مُبكرة، وفي المُقابل يراها آخرون مهارة مُرتبطة بتخصص علوم الحاسب، وبالتالي لا يلزم تدريسها للجميع، كما قد تتحول البرمجة إلى مهارة قديمة الطراز وعديمة القيمة إلى حدٍ كبير بسبب التطور السريع في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي.

ومع ذلك، لم ينجح هذا الاختلاف في إثناء حكومات عن مساعيها لإدخال برمجة الحاسب إلى المناهج الدراسية. وفي عام 2014 صارت علوم الحاسب جزءًا من المنهاج الدراسي في المملكة المتحدة انطلاقًا من المرحلة الابتدائية، أي حين يكون الأطفال في الخامسة أو السادسة من العمر.

وفي شهر يناير/كانون الثاني الماضي أطلق الرئيس الأمريكي باراك أوباما مُبادرة “علوم الحاسب للجميع” لتدريس مهارات البرمجة لجميع الطلاب من رياض الأطفال وصولًا إلى المرحلة الثانوية لأهداف منها تأهيلهم للوظائف، كما حصل أوباما نفسه على دروس في البرمجة.

ويرى مارك مارتن، مُعلم الحوسبة في مدرسة سيدينهام الثانوية في العاصمة البريطانية لندن، أن تدريس برمجة الحاسب لا يعني عمل جميع الطلاب مُستقبلًا كمبرمجين أو مطورين للبرمجيات والتطبيقات. وقال أنه ينبغي للتلاميذ تعلم كيفية عمل الحواسيب ومحاولة حل المشكلات بطريقتها. وأضاف: “يُعد الكثير من طلابنا مستهلكين للبرمجيات، ولا يدرون كيفية عملها”.

وفي المملكة المتحدة صارت علوم الحاسب جزءًا من “الشهادة العامة للتعليم الثانوي” ابتداءً من سبتمبر/أيلول من عام 2014، وتتضمن مهارات البرمجة، وحلت مكانة اختبار تكنولوجيا المعلومات والاتصالات السابق. كما أُدرجت في مُؤشر “البكالوريا الانجليزية” الذي يقيس نسبة الطلاب في سن السادسة عشرة الذين حققوا المعدل “ج” أو أكثر في المواد الأكاديمية الأساسية في المدارس التي تُمولها الحكومة.

وفي إشارة إلى الفارق بين البرمجة وقيادة السيارات واستخدام الكثيرين للسيارات دون معرفة مكوناتها وعمل أجزائها المختلفة، قال مارتن: “عرض اختبار تكنولوجيا المعلومات والاتصالات للطلاب كيفية قيادة السيارة، بينما تُبين البرمجة في منهج علوم الحاسب لهم كيفية صنع السيارة وكيفية تصميم السيارة”.

ويتفق مع هذا الرأي جيم فلاناجان، رئيس خدمات التعلم في “الجمعية الدولية لتكنولوجيا التعليم” في الولايات المتحدة الأمريكية. ويرى أهمية وجود البرمجة ضمن المناهج الدراسية، مُضيفًا أنه لا ينبغي اعتبارها غاية بحد ذاتها، وإنما يتم تدريسها لأنها جزءٌ مهم من المعرفة في العالم الرقمي.

وقال فلاناجان: “يكمن الجمال في تعلم البرمجة في أنها سبيل لفهم العناصر الأساسية لعلوم الحاسب، ويبقى ذلك صحيحًا حتى إن صارت لغة البرمجة التي تتعلمها عديمة الاستخدام في وقتٍ لاحق”.

ولا يتصل تدريس البرمجة بعلوم الحاسب وحدها، بل يشمل أيضًا التفكير المنطقي والخوارزميات والنماذج المُجردة وتحليل البيانات وطريقة استخلاص المعلومات الرئيسية والتعامل مع الأنظمة المُعقدة. وخلال التعلم يُعالج التلاميذ المشكلات خطوة بخطوة، كما يستفيدون من أخطائهم.

واعتبر فلاناجان أنه لا يُمكن النظر إلى الحوسبة كأمرٍ تقني فقط عند قيادة المؤسسات في القرن الحادي والعشرين، وكذلك عند إدارة المشروعات وفرق العمل؛ نظرًا لتزايد اعتماد العالم على الأنظمة الرقمية. كما يحتاج الناس إلى فهم مصدر المعلومات وتقييم إمكانية الوثوق بها دون الاكتفاء بمجرد توافرها على شبكة الإنترنت، بحسب ما قال.

وعلى الرغم من أن البرمجة قد تبدو لكثيرين أمر مُتخصص وصعب التعلم، إلا أن أنصار تدريسها يُدافعون عنها بوصفها مُمتعة وتعاونية، فضلًا عن إمكانية الاستفادة منها في مواد دراسية مختلفة كاستخدامها لسرد القصص كجزء من الكتابة الإبداعية، وفي ابتكار حلول للمشكلات البيئية في الجغرافيا، وكذلك في إنتاج عروض تقديمية أو ألعاب تقمص الأدوار في التعليم الشخصي والاجتماعي والصحي والاقتصادي. ويُشبه البعض تعلم البرمجة بتعلم الكتابة على نسقٍ مُعين.

ومن بين دوافع الاهتمام بتدريس البرمجة وعلوم الحاسب في المدارس الرغبة في تلبية احتياجات سوق العمل. وعلى سبيل المثال، ففي عام 2014 لم تُناسب المهارات المُتاحة في الولايات المتحدة ستمائة ألف وظيفة ذات أجور مرتفعة في قطاع التكنولوجيا، وكان ذلك أحد الأسس التي استندت إليها مُبادرة الرئيس أوباما.

وقال مارتن أن الطلاب في المملكة المتحدة بحاجة إلى تحسين مهارات البرمجة. وأضاف: “نشهد تأسيس الكثرين لشركات، ولذلك نحتاج إلى المزيد من المُطورين. لكن الشباب لن ينجحوا في الحصول على وظيفة بمجرد تمرير أصابعهم على شاشة لتشغيل أحد التطبيقات”.

وترى أنيتا تشاندركر، من شركة “بي أيه للاستشارات”، أن نقص المبرمجين يتسبب في تأخر الشركة عن تحقيق النمو المنشود. وكنتيجة لذلك تُنظم “بي أيه للاستشارات” منافسةً للطلاب الذين تتراوح أعمارهم بين الثامنة والسابعة عشر في المملكة المتحدة لابتكار أجهزة وألعاب وتطبيقات بهدف تطوير مهاراتهم في البرمجة. وقال تشاندركر، التي بدأت مسيرتها المهنية كمبرمجة: “ينبغي أن يتعرف الأطفال على البرمجة وفهم ماهيتها والفارق بين التحكم في روبوت مُقابل إنشاء موقع على الإنترنت”.

المصدر

مصدر الصورة

إضافة تعليق على المقاله