لماذا لا تُفضل الحكومة البريطانية تطوير تطبيقات الهواتف الذكية للخدمات الحكومية؟

في ضوء تنامي انتشار الهواتف الذكية، تلجأ الوزارات والوكالات الحكومية إلى تطوير تطبيقات ذكية تُوفر خدمات مختلفة للمواطنين، لكن الرئيس السابق للتصميم في “خدمة الحكومة الرقمية” في المملكة المتحدة، بن تيريت، لا يرى التطبيقات الحل الأمثل، كما رفض تقديمها تمامًا، بحسب ما تضمن حوار له مع موقع “جوف إنسايدر”. وتُعد “خدمة الحكومة الرقمية” Government Digital Service من أوائل الأقسام الرقمية الحكومية في العالم، واعُتبرت مثالًا رائدًا في هذا الشأن، وجرت مُحاكاة أسلوبها في كثيرٍ من أنحاء العالم.

ويُرجع تيريت أسباب تجنب تطوير تطبيقات للهواتف الذكية تُقدم الخدمات الحكومية إلى التكلفة الباهظة اللازمة لتطوير التطبيقات ثم صيانتها؛ إذ يتوجب الاستمرار في تحديثها مع كل تغيير في البرمجيات ونظم التشغيل، ويحتاج ذلك إلى فريق عمل ضخم ومبالغ مالية كبيرة.

أما عن السبيل الذي اتبعته المملكة المتحدة للوصول إلى العدد المُتزايد من مستخدمي الهواتف المحمولة، فيكمن في مواقع الويب المُتجاوبة أو التصميم المُتجاوب Responsive Design. وقال تيريت: “بالنسبة للخدمات الحكومية التي نوفرها، تُعتبر الويب طريقة أفضل كثيرًا جدًا ولا تزال مُلائمة للمحمول”.

ويُمكن تعديل المواقع لتُناسب الشاشات والأجهزة المختلفة، كما تُتاح للجميع بصرف النظر عن نوع الجهاز. وعلاوةً على ذلك، تتكلف صيانة مواقع الويب مبالغ أقل كثيرًا؛ إذ يلزم إعادة برمجة منصة واحدة فقط عند الحاجة إلى أي تحديث.

ويستخدم المواطنون في المملكة المتحدة مواقع الويب المُتجاوبة التي تتميز بتصميمات بسيطة يسهل التعامل معها، وهو ما يشمل تسجيل الناخبين وتراخيص قيادة السيارات. وتُقدر وزارة الخزانة البريطانية دور “خدمة الحكومة الرقمية” في توفير 8.2 مليار دولار على مدار أربعة أعوام من خلال اتباعها نهج يُركز على بساطة التصميم وانفتاح الخدمة.

نصائح لتصميم المواقع والخدمات الحكومية الرقمية

أولًا: مُراعاة احتياجات المستخدمين: تُمثل احتياجات المستخدمين وليس المُتطلبات التنظيمية العامل الرئيس المُؤثر في أسلوب “خدمة الحكومة الرقمية” البريطانية في التصميم، بحسب ما قال تيريت. وأضاف أن احتياجات المستخدمين أساس لتصميم الخدمات الرقمية الجيدة وتطويرها في الوقت الراهن، وهو أسلوب شائع سواءً في “جوجل” أو “فيسبوك” أو “الخطوط الجوية البريطانية” أو غيرها.

وغالبًا ما يُواجه تصميم الخدمات الرقمية مشكلة ميل الوكالات الحكومية للتصميم دون مراعاة احتياجات المواطنين، وبدلًا من ذلك تُحاول التوافق مع البيئة المُنعزلة لمشروعٍ بعينه. وعلى سبيل المثال، يتطلب افتتاح مطعم الحصول على تصاريح من وكالات مختلفة، وينبغي للخدمة الرقمية الجيدة جمع مختلف التراخيص في مكانٍ واحد.

ويتطلب التركيز على احتياجات المستخدمين إقدام المسؤولين على التخلي عن الأفكار التي يثبت عدم جدوارها مهما بدت جذابة وشائعة. ومثلًا ربما يرغب أغلب الوزارء في توفير خيارات لمشاركة المحتوى في المواقع الحكومية بما يسمح للمواطنين بترويجه في مواقع الإعلام الاجتماعي مثل “فيسبوك” و”تويتر”، لكن اختبارات أجرتها “خدمة الحكومة الرقمية” توصلت إلى أن نسبة 0.1% فقط من المواطنين تُشارك المحتوى. وقادت هذه الإحصاءات إلى إزالة خيارات المشاركة من التصميم، بما جعل المواقع الحكومية أكثر بساطة ونظامَا وأسرع في التحميل.

ثانيًا: “جوجل” هو الصفحة الرئيسية: لا تفترض “خدمة الحكومة الرقمية” زيارة المواطنين الموقع الرئيسي للحكومة البريطانية، بل يعملون انطلاقًا من توجه المواطنين إلى الصفحات الداخلية بعد البحث في محركات البحث على الإنترنت مثل “جوجل”. ويُخالف ذلك السلوك المُعتاد في المؤسسات التي تهتم بالصفحة الرئيسية وترغب أن تحمل علامتها المميزة، في حين يبحث المواطنون عن معلومات مُقدمة بأسلوبٍ بسيط.

ثالثُا: التخلص من الخطوات غير الضرورية: يهتم فريق التصميم بالتخفف من جميع الأسئلة والخطوات غير الضرورية لإتمام عملية ما، بحسب ما قال تيريت. وتطلب كل خدمة من المواطنين تحديد حالتهم الاجتماعية من ناحية الزواج، لكن هذا يُعد مطلبًا قانونيًا لتطبيق واحد فقط، وسمح هذا الأسلوب بإزالة النصف من بين خمسمائة خطوة يحتاجها الحصول على مُخصصات لرعاية أحد الأقرباء من كبار السن أو ذوي الاحتياجات الخاصة.

رابعًا: التخلص من العناصر غير الضرورية من التصميم: يُمكن النظر في ذلك إلى البوابة المركزية للحكومة البريطانية Gov.UK، وفي الوقت الحالي لا تتضمن الكثير من الصور؛ نظرًا لتسبب الصور في تشتيت الانتباه عن المعلومات في الصفحة وما بينته نتائج البحث في تجربة المستخدم من دور الصور في تقليل الوضوح. وقال تيريت أن الموقع تضمن في مرحلةٍ مُبكرة بعض الأيقونات الجميلة، لكن بعد بضعة أشهر بينت الاختبارات أن عددًا قليلًا جدًا من الزوار ميّز وجود الأيقونات ولم يتعرف أحدٌ منهم على معناها.

طرق قياس نجاح الخدمات الحكومية الرقمية

وفيما يتعلق بكيفية قياس نجاح الخدمات الرقمية للحكومة البريطانية، قال تيريت أن شعبية الخدمة وإعجاب الجمهور بها لا يصلحان وحدهما للدلالة على نجاحها. ويهتم فريق “خدمة الحكومة الرقمية” بالبحث فيما إذا كان المستخدمون قد أتموا التعاملات عبر الخدمات الرقمية أم لا، كما يهتم بمعرفة ما إذا كان المستخدمون قد حصلوا على المعلومات التي يبحثون عنها أم احتاجوا للبحث في مكانٍ آخر.

وأوضح تيريت أن فهم رحلات المستخدمين وتنقلاتهم في التعامل مع الخدمات الحكومية الرقمية ليس أمرًا مكلفًا، ويُمكن للحكومات تنفيذه بمواردها الخاصة وبكفاءة إلى حدٍ كبير، وقال أن أغلب هذه الأمور يُمكن إتمامها سريعًا جدًا، وبتكلفة مُنخفضة جدًا، وبالاعتماد على الإمكانات الذاتية للحكومات وحدها تقريبًا.

واعتبر أن السبيل الأفضل لذلك يكمن في تأليف فريق عمل داخلي مُتعدد التخصصات، يضم المصممين والباحثين المعنيين بتجربة المستخدم والمطورين والمتخصصين في المحتوى، ويُمكن لفريق يتكون من اثني عشر شخصًا إنجاز المهمة، وبناء نماذج أولية سريعة خلال أسابيع قليلة، واختبار تأثيرها مع المتطوعين ومُتابعة جدواها، ومن ثم جمع الآراء سريعًا وتوسيع التجربة على نطاقٍ أكبر.

ولفت تيريت إلى أن هذا الأسلوب يكفل توفير مبالغ مالية طائلة لا تُخصص لعقود مُكلفة لتكنولوجيا المعلومات أو توظيف فرق عمل تضم عددًا كبيرًا من الأشخاص، وبذلك يستطيع فريق من اثني عشر شخصًا أداء مهام فريق من مائة شخص، دون إضافة ميزات لا يريدها أو يستخدمها أحدٌ من الجمهور، ودون إهدار الوقت في التكرار.

وتعتقد “خدمة الحكومة الرقمية” في المملكة المتحدة بأهمية الضوابط المركزية من أجل توفير الأموال والحد من الازدواجية في تقديم الخدمات، وتشمل ضوابط على الإنفاق وأخرى تتعلق بالمحتوى.  وتمكنت بفضل إدارتها لجميع المحتوى في موقع “جوف. يو كيه” من حذف أي شيء لا يتوافق مع المعايير الموضوعة، بما يضمن تكيف الوزارات والأقسام المختلفة. وبالمثل وضعت “خدمة الحكومة الرقمية” ضوابط صارمة لما يُمكن للحكومة شراءه من الأطراف الخارجية، الأمر الذي جعل أسلوب التوريد أكثر مرونة من ذي قبل.

وينصح تيريت الخدمات الحكومية بأن تضع في اعتبارها طيلة الوقت احتياجات المستخدمين، دون أن تدع للوكالات والوزارات مهمة اقتراح الأفكار دون تفسير أسباب نفعها للمواطنين. ودائمًا ما تندفع الوكالات الحكومية وراء هدف إنجاز أهدافها الداخلية دون الاهتمام بتوفير خدمات بسيطة، ما ينتهي أحيانًا بتعقيد تجربة المستخدمين من خلال تقديم صفحات ويب أو تطبيقات غير ضرورية.

وقال تيريت أن تطوير خدمات يحتاجها الجمهور فعليًا يضمن نهاية القلق المُتعلق بسُبل ضمان مشاركة المستخدمين وأعداد زوار المواقع؛ فحينها سيعثر الجمهور عليها ويستخدمونها.