كيف تستطيع البيانات الضخمة دعم التنمية في أفريقيا؟

أحدث الازدهار العالمي في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات تحولًا جذريًا في القدرة على جمع البيانات وتحليلها، وهو ما تجلى في وضع “الأهداف الإنمائية للألفية” البيانات في قلب الحديث عن التنمية، ثم تواصل التركيز على البيانات في “أجندة التنمية المُستدامة” الجديدة .

وبينما حاولت “أهداف التنمية المستدامة”، التي تغطي الفترة من 2015 وحتى 2030، مُعالجة الانتقادات التي وُجهت للأهداف الإنمائية للألفية وتعلقت باعتمادها نهجًا غربيًا، إلا أنها بالكاد تعاملت مع حقيقة تركز إنتاج المعرفة المُرتبطة بمؤشرات التنمية في الغرب.

ومع ذلك، تستطيع الدول الأفريقية على مدار الأعوام الخمس عشرة المُقبلة تغيير هذا الواقع، ويتطلب ذلك اتباع أساليب مُبتكرة في جمع البيانات وإداراتها وتحليلها، والاستفادة من التكنولوجيا الحديثة، كما يستلزم الاستثمار في تطوير مكاتب الإحصاءات الوطنية في دول القارة.

ويرى كثيرون التحول الجاري في حجم البيانات والتحليلات ثورةً في مجال البيانات، تتجلى في توافر قدرة غير مسبوقة لتعميم توظيف البيانات الضخمة في مجالات مثل التسويق والخدمات الحكومية والتنمية. لكن البيانات الضخمة تُعد مصطلحًا غامضًا نوعًا ما، ويُشير في كثيرٍ من الأحيان إلى مجموعات البيانات الضخمة والمُعقدة التي تُنتجها سريعًا مصادر إلكترونية مثل الهواتف المحمولة ومواقع الإعلام الاجتماعي والأقمار الاصطناعية.

بيانات الهواتف والصور لدراسة مُؤشرات التنمية

وتندرج البيانات الوصفية للهواتف المحمولة والصور الجغرافية المكانية ضمن البيانات الضخمة المُستخدمة في الوقت الراهن لأغراض التنمية، ومن المُرجح أن تحمل فرصًا كبيرة لأفريقيا. وتُعد بيانات الهواتف المحمولة مصدرًا مثاليًا للبيانات؛ بفضل انتشارها على نطاقٍ واسع بين سكان القارة.

ووفقًا للاتحاد الدولي للاتصالات يُوجد ما لا يقل عن 50 اشتراك في الهواتف المحمولة لكل مائة شخص في 45 من بين 54 دول في أفريقيا، وتجاوزت اثنتان وعشرون دولة أفريقية المُتوسط العالمي البالغ 107 اشتراك لكل مائة شخص. وتبدو هذه الأرقام في سبيلها إلى النمو السريع وستتبعها اشتراكات النطاق العريض المحمول.

وفي الواقع تُستخدم البيانات الوصفية للهواتف المحمولة في أماكن مختلفة من العالم لمُتابعة مُؤشرات مُتباينة تتعلق بالتنمية الإنسانية؛ ومنها انتقال الأمراض وصدمات العمل وأنماط التنقل البشري أثناء الكوارث الطبيعية ومستويات الدخل.

وفي أفريقيا جرت الاستفادة من مثل هذه البيانات لتحديد مراكز الفقر من خلال تحليل شراء الأفراد لرصيد المكالمات ومدة المكالمات الهاتفية، وفي الآونة الأخيرة طُبقت هذه الطريقة في كوت ديفوار.

ويستفيد الباحثون من البيانات الجغرافية المكانية لدراسة مستويات الفقر، واستعانت دراسات بصور ليلية للإنارة الكهربائية من أجل تقدير النمو الاقتصادي على مستوى وطني، وأظهرت النتائج قياسًا للفقر على مستوى الكيلومتر المربع وبمستوى مُرتفع من الدقة ربما يتفوق على الإحصاءات الرسمية. كما أفادت الصور الجغرافية المكانية التي التُقطت في فترات النهار لتحديد مستويات الفقر من خلال تحليل سمات المنازل مثل المواد المستخدمة في بناء السقوف.

كما يبحث البعض سُبل الاستفادة من بيانات مواقع الإعلام الاجتماعي لدراسة قضايا مختلفة كما هو الحال في دراسة أجرتها شركة “فيبراند” Vibrand للأبحاث في جنوب أفريقيا بتكليفٍ من “معهد الدراسات الأمنية” Institute for Security Studies ، وركزت على آراء مستخدمي مواقع الإعلام الاجتماعي في نيجيريا في أسباب انضمام البعض إلى تنظيم “بوكو حرام”.

وتضمنت الدراسة عدة أسباب من بينها إحباطات مُؤثرة قد تدفع البعض إلى الالتحاق بجماعات إرهابية، ومنها إدمان المخدرات وأسعار الوقود والتعليم والمياه وتهديدات على السلامة الشخصية. وفي حين ركزت الدراسة على الناحية الأمنية، فمن المُمكن الاستفادة من تحليل الإعلام الاجتماعي لدراسة تحديات التنمية، ولاسيما في المناطق الحضرية التي ينتشر فيها استخدام الإنترنت واشتراكات النطاق العريض.

تحديات تُواجه البيانات في أفريقيا

تسمح المصادر الرقمية بالحصول على البيانات بتكلفة تقل كثيرًا عن أساليب مثل الاستطلاعات والمقابلات. وفي الوقت نفسه، فمن المُتفق عليه أن فائدة البيانات الضخمة تكمن في تكاملها مع البيانات التقليدية وليس احتلال مكانتها.

وفي هذا الشأن، تفتقر الكثير من بلدان أفريقيا إلى ما يصفه “مركز التنمية العالمية” Center for Global Development باللبنات الأساسية للبيانات، وهي بيانات مهمة ولازمة لحساب أي مؤشر رئيسي للرفاهية الاقتصادية أو الاجتماعية.

وعلى سبيل المثال، ففي خلال الفترة المُمتدة بين عامي 2005 و2015 نشرت 29% فقط من البلدان الأفريقية مسحًا أسريًا تناول مجال التعليم. وربما يكون من الصعب جمع بيانات رئيسية مثل التعليم ومُعدلات الجريمة وحياة المواليد وغيرها اعتمادًا على مصادر البيانات الضخمة.

ومُجددًا تُقدم التكنولوجيا مُنخفضة التكلفة بعض المساعدة؛ إذا جعلت الحواسيب المحمولة واللوحية من عملية الجمع الميداني للبيانات أكثر كفاءةً ودقة، كما تُوفر إمكانية الجمع بين البيانات الضخمة والبيانات الميدانية معًا. ويُقدم مشروع “ووش-ليبيريا” WASH-Liberia مثالًا لهذه المحاولات.

ويجمع المشروع التابع لحكومة ليبيريا والمعني بالمياه والصرف الصحي بيانات وصور ويُحللها ويعرضها، ومن خلاله تُحدد المجتمعات مصادر المياه الصالحة للشرب في مناطقهم. وتُتاح البيانات للجمهور عبر موقع مشروع “ووش-ليبيريا” على الإنترنت، كما يُمكن تحديثها بانتظام عبر الهواتف المحمولة، وهي تكنولوجيا تتوافر بالفعل لدى مُعظم سكان البلاد.

ويُشير هذا النموذج وأمثاله إلى الفرص الكبيرة المُتاحة أمام الحكومات والمنظمات في قارة أفريقيا للاستفادة من التكنولوجيا في تحسين مقدار البيانات ونوعيتها أمام الجمهور والساسة وصُناع القرار. لكن ذلك لا ينفي حقيقة أن أغلب المشروعات المُبتكرة وواسعة النطاق للبيانات يُجريها باحثون غربيون ومنظمات غير حكومية. ويتطلب  الانخراط الفعّال في التنمية القائمة على البيانات استثمار الدول الأفريقية لتطوير المكاتب الوطنية للإحصاءات.

وأجرى “معهد التنمية لما وراء البحار” Overseas Development Institute في عام 2013 استطلاعًا للرأي بين موظفي مكاتب الإحصاءات الوطنية على مستوى العالم. وعكست النتائج الواردة من أفريقيا نقصًا في المهارات والموارد، فضلًا عن غياب مكاتب الإحصاءات الوطنية ذات الأداء الوظيفي المرتفع. وتقدمت جنوب أفريقيا وكينيا على دول القارة في تطور مكاتب الإحصاءات، لكن العجز عن إنتاج بيانات موثوق بها وعلى نحوٍ منتظم شكل القاعدة وليس الاستثناء.

وعدَّ “مركز التنمية العالمية” الاستقلالية المحدودة والميزانيات غير المُستقرة أهم التحديات التي تُواجه مكاتب الإحصاءات الوطنية في دول القارة. وفي أغلب الأحيان تعمل هذه المكاتب ضمن وزارات أخرى، وربما تنال ميزانية محدودة أو يخضع تمويلها لتحكم جهات أخرى. ونتيجةً لذلك تلجأ مكاتب الإحصاءات الوطنية إلى مصادر غير منتظمة للتمويل مثل الجهات الدولية المانحة، الأمر الذي يُصعِّب التخطيط على المدى الطويل أو يجعل منه أمرًا مُستحيلًا.

وفي ظل افتقار مكاتب الإحصاءات الوطنية إلى قدرٍ مقبول من الاستقلالية، ربما تتأثر برئاسة الوزارء أو المانحين الخارجيين بدلًا من تركيزها على إنجاز  برامج التنمية المحلية واسع النطاق. وتتضح هذه المشكلة في عصر البيانات الضخمة الذي يُوفر فرصًا خطيرة للعبث أو إساءة استخدام المعلومات الخاصة والواردة في الوقت الحقيقي.

ولا ينبغي أن تُحبِط العقبات المُرتبطة بجمع البيانات وتحليلها وتحديات التنمية الحكومات الأفريقية، بل يتعين عليها الاستثمار في تمويل مكاتب الإحصاءات الوطنية. وحدد “معهد التنمية لما وراء البحار” بعض المجالات التي ستنتفع فوريًا من توافر البيانات وتشمل؛ نمو الاقتصاد الكلي، وتحسن العلاقة بين المواطنين والدولة، وزيادة جودة الحياة وسُبل العيش، وتطوير أنظمة للإنذار المُبكر. وفي عام 2013 قدَّر “معهد ماكينزي” إسهام البيانات الضخمة مفتوحة المصدر في الاقتصاد العالمي بما لا يقل عن 3 تريليون دولار، يتركز أكثر من نصفها خارج الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا.

وعلاوةً على الأهمية الاقتصادية والتنموية للبيانات، تظل البيانات أولًا معرفة، وتُمثل المعرفة قوة لوضع الاحتياجات والأولويات الأفريقية في المقام الأول عند رسم برامج التنمية المحلية وخططها، كما أنها قوة لطرح الأسئلة الأكثر إلحاحًا لمواطني أفريقيا والإجابة عليها، وقوة لتوصيل إمكانات القارة المُزدهرة إلى العالم.

المصدر 

مصدر الصورة