المدن الذكية: نماذج للنجاح والإخفاق

يمتد تأثير التكنولوجيا والحلول الذكية إلى مُختلف أوجه الحياة اليومية في المدن، ويُدافع البعض عن دورها في تحسين العمليات الداخلية للحكومات وخدماتها المُقدمة للمواطنين.

ودون ريب تتعدد الأمثلة على نجاحات المدن الذكية ومنافعها للمجتمعات، كما تتزايد مُبادراتها والإقبال عليها. لكن ذلك لا يلغي وجود قصص أقل بريقًا جديرة بالدراسة والبحث، ولاسيما مع تفوق حالات الإخفاق على النجاح في تقديم الدروس المهمة وبيان ما ينبغي على الحكومات وإدارات المدن تجنبه، وهو ما تناوله دانيال لورمان في مقالٍ بعنوان: “المدن الذكية: الجيد والسيء والقبيح”.

نماذج للنجاح

تبدأ الكثير من قوائم قصص نجاح المدن الذكية بمدينة كولومبوس في ولاية أوهايو الأمريكية التي فازت مُؤخرًا بمنافسة “تحدي المدن الذكية” التي نظمتها وزارة المواصلات الأمريكية، وتلقت أربعين مليون دولار لتمويل مشروعاتها.

وأرجع وزير المواصلات، أنتوني فوكس، فوز كولمبوس إلى أسبابٍ مختلفة منها أن عرضها وضع المواطنين في المقام الأول، وتضمن التخطيط لإقامة أكشاك للتنقل في الشوارع الجانبية، ونظام جديد للنقل السريع يعتمد على الحافلات، ونظام للإضاءة الذكية سعيًا لتعزيز السلامة العامة، وتيسير فرص الحصول على الرعاية الصحية في مناطق وأحياء سكنية حُرمت من الخدمات لفترة طويلة.

كما لفت فوكس إلى نجاح كولومبوس في حشد القطاعين العام والخاص معًا، وقال: “توقعنا تأسيس المدن لشراكات، وهو ما تبين صحته. تجاوز إجمالي التمويل الذي جمعته المدن خمسمائة مليون دولار”. وأضاف أن كولومبوس أنجزت شراكات قوية جدًا بين القطاعين العام والخاص، وجمعت تسعين مليون دولار من مجتمع الأعمال والمجتمع المدني فيها.

وأسفرت منافسة “جائزة أمازون ويب سيرفيسز للمدينة الذكية للقطاع العام العالمي” AWS Global Public Sector Smart City Award في المملكة المتحدة عن فوز مجلس مدينة بيتربورو، ونالت المدينة قسائم بقيمة خمسة وعشرين ألف دولار للاستفادة من خدمات الحوسبة السحابية التي تُقدمها “أمازون”. وتجري الكثير من منافسات المدن الذكية وجوائزها حول العالم، كما لا يغيب دور المستويات الإدارية الأكبر مثل حكومات الولايات في دعم المدن الذكية.

وأورد تقرير بعنوان “التكنولوجيا ومدن المستقبل”، وصدر عن مجلس مُستشاري الرئيس الأمريكي للعلوم والتكنولوجيا في فبراير/شباط الماضي مُبررات لتشجيع اعتماد التقنيات الحديثة في المدن في الوقت الراهن. وعدّ منها اتجاه أعداد أكبر وفئات أكثر تنوعًا من الأشخاص إلى العيش في المدن، وانفتاح الجمهور على الاستخدامات الجديدة للمساحات العامة وسُبل العيش والعمل والسفر في المدن، وقِدم البنى التحتية للمواصلات والمياه والطاقة وسوء حالتها، بالإضافة إلى توافر الكثير من الابتكارات التي يُمكنها تحقيق نفع أكبر من البنى التحتية والمُساعدة في تصميم خدمات المدينة وإداراتها.

تحديات أمام المدن الذكية وأسباب للشعور بالخطر

لا تمنع الأسباب القوية للدفاع عن المدن الذكية وقصص نجاحاتها النظر إلى جوانب أخرى أقل إيجابية، ومن ذلك التحديات العسيرة التي تُواجه مجال إنترنت الأشياء والمدن الذكية وأهمها تفوق التكنولوجيا على السياسة والتخطيط، بحسب ما كتب جون هايدوك:

“يُواجه القادة والمشروعون اليوم تحديًا لا يُحسدون عليه يتثمل في محاولتهم مُواكبة فيض التقنيات الجديدة التي كان من الصعب تخيلها قبل عقود قليلة مضت. تُعد الطائرات بدون طيار والسيارات ذاتية القيادة والمُراقبة المُتقدمة والخدمات المالية الرقمية والمدن الذكية والروبوتات مجرد أمثلة على إمكانات تغيير طرق عيشنا”.

وتابع هايدوك أن التخلف عن هذه التقنيات يضعنا في مواجهة تهديدين مُتمايزين؛ فمن ناحية يتأخر التقدم واعتماد التقنيات بسبب مخاوف تتعلق بغموض السياسة أو غياب المعايير المقبولة للتكنولوجيا، ومن ناحيةٍ أخرى يُرافق الابتكار دون رقابة مدروسة شبح الأمن والخصوصية والمخالفات الأخلاقية.

وعدد ريك روبنسون ست حقائق مُزعجة عن المدن الذكية في مقالٍ حمل العنوان نفسه، وكانت:

  1. لا تُعتبر المدينة الذكية مفهومًا تقنيًا، وإنما تُمثل تحديًا سياسيًا لتكييف أحد أكثر القوى الاقتصادية والاجتماعية فعالية في العصر الحالي لتتلائم مع احتياجات الأماكن التي يعيش ويعمل فيها أغلب الأشخاص.
  2. لا تكتسب المدن صفات الذكاء دون مُشاركة المسؤولين عنها.
  3. لا يُمكن ترك المدن الذكية لتأثيرات السوق، وينبغي التحلي بالشجاعة اللازمة لتشكيل السوق.
  4. لا يتجه العمل في المدن الذكية من أعلى إلى أسفل أو من أسفل لأعلى، بل يمضي في كلا الاتجاهين.
  5. يتطلب الأمر سرد الحقائق والقصص الصادقة.
  6. لن يُنجز المدن الذكية أحد سوى المعنيون بالأمر.

وبطبيعة الحال، يُحيط بالمدن الذكية وتكنولوجيا إنترنت الأشياء عمومًا مخاوف عدة منها ما يتصل بالأمن الإلكتروني وحماية الخصوصية. ويرى الكثير من المهتمين والمُعلقين أن “هوس المدينة الذكية” حول العالم يتضمن الكثير من الضجيج والدعايات والتوقعات غير المنطقية. وربما يتمثل النموذج الأكثر قبحًا وخطرًا في احتمالات اقتصار منافع المدن الذكية على الأثرياء وحدهم وتجاهلها الفئات الأخرى في المجتمع، وهو ما تناولته المُدافعة عن البيئة، الهندية سونيتا نارين.

وضربت نارين مثلًا بمدينة لوتينس دلهي التي تُعد إحدى المدن الذكية، وتحولت إلى أكبر مجتمع مُسوَّر في الهند، الأمر الذي يُحدث فارقًا ضخمًا بين مثل هذه المناطق وبقية العالم. وفسرت تزايد التعصب بالاختلافات الهائلة التي تنشأ بين مناطق خضراء ومُتقدمة وما حولها. (اقرأ أيضًا: هل تنجح المدن الذكية في الهند في تخفيف الفقر أم ستزيده؟)

ويكمن خطرٌ أكبر في الكثير من البلدات والمدن التي يجري التخطيط لإنشائها في قارتيّ أفريقيا وآسيا وتقتصر تقريبًا على الأثرياء فقط، وهو أمرٌ طبيعي في ظل تولي القطاع الخاص مسؤوليتها وبالتالي سعيه فقط إلى تحقيق الأرباح خلافًا لمشروعات أوروبية أسبق في القرن العشرين.

واختتم الكاتب بالتأكيد على تفاؤله ومساندته الكثير من مُبادرات المدن الذكية، ويقينه بإمكانية تجاوز العقبات، وإقدام القطاع الخاص على المُشاركة الجدية في إنجاز المزيد من حلول الحكومة الذكية. ولفت أيضًا إلى ضرورة النظر إلى حجج كلا الجانبين والاستعداد لتمكين النماذج الجيدة ومُعالجة ما سواها كما جرى مع المُشكلات التي رافقت الاستخدام الأول للحوسبة السحابية وغيرها من الحلول التكنولوجية: “أنا على ثقة من نجاحنا في بناء مدن ذكية شاملة في مختلف أنحاء العالم، يستفيد منها الجميع سواءً كانوا من الأغنياء أم الفقراء”.