كيف يُسهِم إنترنت الأشياء في جعل الطرق أكثر أمنًا؟

يرتبط قطاع الطرق والمواصلات بارتفاع تكاليف الصيانة وحوادث السيارات وما ينجم عنها من خسائر بشرية ومادية جسيمة. وفي كل عام تتسبب حوادث الطرق في مقتل مئات الآلاف حول العالم وإصابات مُماثلة. ووفقًا لمؤسسة “مجلس السلامة الوطني” غير الربحية فقد تسببت الحوادث العام الماضي فقط في مقتل 38300 وإصابة 4.4 مليون شخص في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها.

وفي الولايات المتحدة أيضًا تُقدر التكاليف المرتبطة بالحوادث سواءً نفقات العلاج وخسائر الأجور والإنتاجية والممتلكات بمبلغ 152 مليار دولار، ولا يشمل ذلك نفقات الصيانة والإصلاحات العامة لأنظمة الطرق التي تُكلِف سنويًا مليارات الدولارات، ومع ذلك لا تزال تُعاني من نقص التمويل الحكومي.

ويتطلع البعض إلى حلول يُقدمها كلٌ من إنترنت الأشياء وتعلم الآلة، ويومًا بعد آخر يتنامى انتشارهما وستصيران يومًا ما جزءًا أصيلًا من مُختلف جوانب الحياة اليومية. وربما يُمكن من خلال التطبيق السليم لتكنولوجيا إنترنت الأشياء الحد من المخاطر والأضرار وتوفير النفقات. ويكفل استخدام أجهزة الاستشعار الذكية المُتصلة وأدوات التحليل المُعتمدة على تعلم الآلة جمع المعلومات والتوصل إلى تنبؤات واتخاذ قرارات من شأنها جعل الطرق أكثر أمنًا.

تحسين سلوكيات السائقين وتقليل الحوادث:

لا يزال العنصر البشري هو العامل الرئيس وراء الوفيات بسبب حوادث الطرق وخسائرها الأخرى. وتزيد القيادة المُتهورة والسرعة الزائدة والقيادة تحت تأثير المشروبات الكحولية والمخدرات وتشتت ذهن السائق والعادات السيئة الأخرى من فرص وقوع حوادث الطرق.

وتُطبق مختلف البلدان لوائح تفرض القيادة الآمنة وتُحدد قواعدها، لكن تظل هذه القيود مجرد ردود أفعال لأساليب السائقين تسعى لدفعهم إلى القيادة الآمنة من أجل تجنب العقوبات فقط. وبمقدور إنترنت الأشياء تقديم المساعدة المُسبقة في اتباع السائقين العادات السليمة في القيادة.

وتستعين شركة “جيوتاب” Geotab بإنترنت الأشياء لمساعدة الشركات المسؤولة عن إدارة أساطيل السيارات على تقليل الحوادث. وقال الرئيس التنفيذي للشركة، نيل كاوسي: “حتى يجري إطلاق السيارات ذاتية القيادة كليًا، يتوجب علينا توظيف التكنولوجيا للمساعدة في إدارة العامل البشري في قيادة السيارات”.

وأوضح كاوسي أن جمع البيانات يُعد الخطوة الأولى في هذا الشأن؛ إذ تُتيح التيليماتية معرفة عدد لا حصر له من الأشياء عن المركبة وسلوك السائق. وتتعلق التيليماتية Telematics باستخدام الاتصالات السلكية واللاسلكية وتكنولوجيا المعلومات لسلامة المركبات والطرق.

وتُساعد التيليماتية والتشخيص الذاتي للأعطال Onboard Diagnostics شركات إدارة أساطيل السيارات وشركات التأمين في جمع قدر هائل من المعلومات حول السيارات وسلوكيات السائقين، ومنها جوانب يُمكن قياسها مثل السرعة واستخدام أحزمة الأمان والانعطاف الحاد والإفراط في التسارع، الأمر الذي يُتيح لهم تعزيز القيادة الآمنة وتشجيعها من خلال إجراءات مثل بطاقات الأداء والدرجات التي تُقيّم السائقين استنادًا إلى بيانات حول قيادتهم.

وقال كاوسي أن الخطوة الثانية تكمن في تدريب السائقين؛ أي استخدام البيانات لمساعدة السائقين على تعلم أسلوب أكثر أمنًا في القيادة. وتستخدم شركة “جيوتاب” أنظمة تجنب التصادم وكاميرات المحمول والفيديو والتنبيهات الصوتية من أجل تحديد الأخطار وتلقي تحذيرات مباشرة. وأضاف كاوسي أن ذلك لا يُحقق فقط سلامة الأشخاص، وإنما يُفيد أيضًا الشركات التي تتطلع إلى إدارة المخاطر والتحكم في النفقات ذات الصلة بالحوادث.

وعلاوةً على ذلك، يُقلل إنترنت الأشياء والتيليماتية عناء الامتثال للوائح مثل قواعد ساعات العمل التي تشترط على السائقين تسجيل تفاصيل مثل موعد بدء القيادة والتوقف وغيرها من التفاصيل المُهمة عن الرحلة. وأوضح كاوسي أن هذا الإجراء في السلامة يتصدى للحوادث الناجمة عن نقص ساعات النوم لدى السائقين.

كما أن تحليل البيانات التي تُجمع أثناء الحوادث يُسهِم في تقليل المخاطر مُستقبلًا، كأن تُستخدم لتحديد تقاطعات الطرق الأكثر خطرًا، كما قال كاوسي. ويسمح ذلك للبلديات وإدارات المواصلات بتوجيه ميزانياتها إلى المناطق والمجالات الأكثر احتياجًا وحيث سيكون لها الأثر الأكبر. وأضاف أن “جيوتاب” تجمع ما يزيد عن 900 مليون نقطة بيانات يوميًا، لافتًا إلى السُبل غير المحدودة لاستثمار هذه البيانات.

منع الكوارث:

في واقع الأمر يُعد توفير الصيانة في الوقت المُلائم لشبكات الجسور والطرق الداخلية والسريعة، ولاسيما في البلدان الكبيرة، مهمة بالغة الصعوبة والأهمية في آنٍ واحد، ويقود سوء إدارة البنية التحتية للمواصلات إلى خسائر منها انهيار الجسور وسوء حالة الطرق وازدحام حركة المرور وسقوط ضحايا.

ومثلًا في عام 2007 كلف انهيار جسر نهر المسيسبي I-35W في مدينة مينيابوليس ملايين الدولارات للإصلاحات، فضلًا عن ثلاثة عشر قتيل. وقدم مثالًا صارخًا على العواقب الخطيرة للإخفاق في التعامل مع مشكلات البنية التحتية في الوقت المناسب.

وفي الوقت الحاضر من بين 607 ألف جسر في الولايات المتحدة تُصنف 65 ألف جسر منها باعتبارها معيبة من الناحية الهيكلية، وتعاني 20 ألف جسر من صدوع خطيرة. ويتطلب إصلاحها سنوات وإنفاق مليارات دولارات، ما يعني احتمال تكرار مأساة جسر نهر المسيسبي مُجددًا؛ نظرًا لأنه في ظل التمويل الحكومي المحدود يصعب مُتابعة حال الإصلاحات والصيانة ووضع أولويات لها.

وبمقدور تكنولوجيا إنترنت الأشياء الإسهام في مثل هذه المواقف. وتُراقب أجهزة الاستشعار والخرسانة الذكية المُزودة بأجهزة استشعار حالة هياكل الطرق والجسور وتُنبه لعيوبها قبل تفاقمها واستحالتها إلى كوارث.

وعلى سبيل المثال، جهز البروفيسور جيري لينش، من “مركز الاستشعار الدقيق اللاسلكي المُتكامل والنظم” Center for Wireless Integrated MicroSensing and Systems بدعمٍ من إدارة المواصلات في ولاية كاليفورنيا جسر كاركينز الجديد بنظام لإنترنت الأشياء يشمل مؤشر تسارع ذي ثلاثة محاور وأجهزة لقياس الضغط ودرجة الحرارة وقياس فرق الجهد وسرعة الرياح.

وتُستخدم هذه البيانات لفهم استجابة الجسر للظروف المختلفة مثل الرياح العاتية والزلازل، وتحديد المخاطر التي يتعرض لها هيكل الجسر في الوقت الحقيقي وحاجته للإصلاحات.

وتكبدت ولاية مينيسوتا 234 مليون دولار من أجل استبدال جسر I-35W. واليوم يُمكن الاستفادة من المبلغ ذاته في إعداد آلاف الجسور وتجهيزها باجهزة استشعار والمُساعدة في الحيلولة دون وقوع كوارث مستقبلية.

تشخيص حالة الطرق:

يُساعد التحكم في حركة المرور وضمان وضوح الرؤية في الطرق في تقليل الحوادث التي كثيرًا ما تقع بسبب سوء حالة الطرق والأحوال الجوية غير المواتية. وتعتمد القيادة الآمنة في المقام الأول على قدرة السائقين على مراقبة الطريق بوضوح وتحديد الأخطار.

ويُمكن لأجهزة استشعار إنترنت الأشياء توفير بيانات في الوقت الحقيقي تُساعد في تخفيف ازدحام المرور في مناطق الخطر. وتبحث شركة “هيكوب” HIKOB الفرنسية الناشئة إمكانية الاستفادة من هذه الحلول في عددٍ من المدن الفرنسية.

وقال نائب رئيس الشركة للتسويق وتطوير الأعمال، لودوفيك بوجيرو: “ستكون أجهزة استشعار الطرق واحدة من التطورات الحاسمة في عالم النقل مع إدخال تكنولوجيا إنترنت الأشياء”. وأضاف أنه يُمكن بسهولة تثبيت أجهزة الاستشعار أسفل الطرق لتقيس بفعالية تغيرات مثل درجة الحرارة وحجم حركة المرور والرطوبة من بين معايير أخرى لحالة الطقس والمرور.

وتتجه البيانات التي تجمعها أجهزة الاستشعار إلى خوادم حيث يجري تحليلها وتزويد الجهات المعنية بمعلومات في الوقت الحقيقي عن وضع المرور والطرق، وتُساعد هذه المعلومات والرؤى في تصورات مختلفة، ومنها تحسين الاستفادة من الموارد المحدودة للصيانة والمُعدات، والتنبؤ بالأخطار المحتملة والتنبيه للحوادث التي قد تُسببها مشكلات الطرق وسوء الحالة الجوية.

وتختبر شركة “هيكوب” تنفيذ هذه الحلول في مدينة تروا الفرنسية، وتستعين بمجموعة من أجهزة الاستشعار الذكية وبوابات إنترنت الأشياء لمراقبة حركة المرور وحالة الطقس بما يُسهِم في تحسين مستويات السلامة في الطرق.

مستقبل إنترنت الاشياء في الطرق:

يُساعد إنترنت الأشياء بالفعل في جعل الطرق أكثر أمنًا، لكن ذلك لا يُمثل سوى البداية. وستتكشف المزيد من إمكانات إنترنت الأشياء في ضمان القيادة الآمنة مع استخدام السيارات ذاتية القيادة تمامًا وقدرتها على التفاعل مع البيئة المحيطة واتخاذ قرارات من تلقاء نفسها.

وربما يسمح هذا بإمكانات جديدة مثل منع السائقين من دخول المناطق الخطيرة، والمساعدة في تجنب حوادث التصادم، واختيار الطرق الالتفافية، والابتعاد عن اختناقات المرور وغيرها من التصورات التي تجتمع فيها قوة إنترنت الأشياء وتعلم الآلة لتقديم فرص جديدة. وربما يومًا ما تنجح هذه التقنيات وغيرها في جعل حوادث السيارات جزءًا من الماضي.

المصدر والصورة