كيف تكشف صور “إنستجرام” عن غياب المساواة في مدينة نيويورك؟

يتكشف غياب المساواة بطرقٍ متنوعة مثل مُقارنة معدلات الدخل والجرائم وحتى دراسة تباين انتشار الأشجار بين الأحياء المختلفة. وسعى باحثان في “مركز الدراسات العليا” في “جامعة مدينة نيويورك” الأمريكية لدراسة التفاوت بين المناطق من خلال تحليل ملايين الصور التي تُضاف يوميًا إلى موقع “إنستجرام” لمشاركة الصور.

واستخدم المشروع 7.5 مليون صورة منشورة علنًا ومصحوبة بالموقع الجغرافي في منطقة مانهاتن في نيويورك خلال خمسة أشهر في عام 2014؛ بهدف دراسة التفاوت في الإعلام الاجتماعي من خلال عوامل منها تباين مستوى الاهتمام الذي تتمتع به الأحياء السكنية في منصات مثل “إنستجرام” و”فيسبوك”، وقسَّم الباحثان الصور إلى مجموعتين؛ التقط إحداها سائحون والأخرى تعود إلى السكان المحليين.

وسعيًا لحساب عدم المساواة في الإعلام الاجتماعي في مانهاتن، أنشأ أستاذ علوم الحاسب ليف مانوفيتش وطالب الاقتصاد أوجستن إنداكو خرائط تُظهِر توزيع الصور بين 287 من مناطق التعداد في مانهاتن، بحسب تقرير لموقع “سيتي لاب”.

وخلص تحليل الباحثين في مشروع Inequaligram إلى تركز أكثر من نصف الصور التي شاركها زوار المدينة في 24 منطقة تُمثل 12% من المساحة الإجمالية لمانهاتن، وجرى مُشاركة أغلب الصور في منطقة ميدتاون وإن كان بعضها يعود في الأصل إلى وسط المدينة.

وبالنسبة لصور السكان المحليين فقد ورد نصفها من 53 منطقة تُغطي نحو خُمس مساحة مانهاتن. وفي كلا الخريطتين كان لمنطقة مانهاتن العليا القليل من الحضور في الإعلام الاجتماعي أو غابت كليًا. وعلاوةً على ذلك، عنى الباحثان بتحديد وقت مشاركة الصور لتسليط الضوء على تفاوت شعبية المناطق خلال الأوقات المختلفة من اليوم.

وعند مُقارنة صور السكان المحليين لمانهاتن بمتوسط الدخول في كل منطقة، خلص التحليل إلى أن المناطق الأقل ثراءً، أي التي يقل دخل الأسرة المتوسطة فيها عن عموم مانهاتن، كانت أكثر شعبية أثناء الليل، بينما تمتعت المناطق الأكثر ثراءً بازدحامٍ أكبر خلال فترات النهار.

وفسر الباحثان هذا التباين على النحو التالي: يذهب سكان المناطق الأقل ازدهارًا إلى أعمالهم في أجزاءٍ أكثر ثراءً وازدهارًا في مانهاتن، ولاسيما منطقة ميدتاون أثناء النهار، وهناك ينشرون صورًا في “إنستجرام” خلال اليوم وبذلك تُضاف مُشاركاتهم إلى هذه المناطق.

ونظرًا لتغيبهم عن منازلهم خلال ساعات العمل في النهار، يقل حجم الصور الواردة من مناطق سكنهم، وحين يعودون في المساء إلى منازلهم يُواصلون نشر الصور في “إنستجرام”، ولذلك يرد عددٌ أكبر من المشاركات من المناطق الأقل ازدهارًا أثناء المساء والليل.

واستنادًا إلى التوزيع العام للصور حسب مانوفيتش “مؤشر جيني” Gini لمجموعة الصور التي التقطها السائحون وكذلك صور السكان المحليين. ويُفيد المُؤشر في مقارنة تباين عدم المساواة في الإعلام الاجتماعي بمرور الوقت وبين المدن المختلفة.

ويستخدم “مؤشر جيني” مقياسًا يتراوح بين صفر وواحد، ويُعد المقياس الأكثر شيوعًا للتفاوت في الدول. وتُشير درجة الصفر إلى المساواة الكاملة، بينما يدل الواحد على استحواذ شخص أو مجموعة على الثروات في منطقة أو مدينة. وبلغ “مؤشر جيني” في الصور التي شاركها السكان المحليون 0.49، بينما وصل إلى 0.67 في الصور التي التقطها السائحون.

وقارن الباحثان درجات “مؤشر جيني” بمستوى التفاوت الاقتصادي في أماكن مختلفة. وتساوت تقريبًا درجة “مؤشر جيني” بين صور المحليين، 0.49، مع التفاوت العام في الدخل الوطني في الولايات المتحدة ويبلغ 0.41 وهو مستوى يُعتبر مُرتفعًا بالنسبة لدولة مُتقدمة. أما مؤشر جيني في صور الزوار فتخطى 0.66، وهي درجة عدم المساواة في جميع مانهاتن وكذلك في سيشل، وهو بلد أفريقي يُسجل أحد أعلى درجات “مؤشر جيني” في العالم.

وقال مانوفيتش أنه افترض تباينًا كبيرًا إلى حدٍ ما في الصور التي شاركها سكان مانهاتن، لكنه اندهش من حجم الفارق. وبحسب التحليل، فاق الكيلومتر المربع الذي حظى بأكبر عدد من الصور المنطقة الأقل تصويرًا بعدد 250 ألف صورة.

أما عن أهمية هذه الدراسة ومثيلاتها في وقتٍ أثبت فيه الباحثون ومخططو المدن بالفعل التفاوت الهائل من خلال قياسات مثل دخول الأسر والعجز عن تحمل تاليف الإسكان وبطء نمو الأجور، يرى مانوفيتش أن النظر إلى الإعلام الاجتماعي كمقياس للتفاوت “يُقدم لنا طريقةً مختلفة للتفكير في المدن”.

وأضاف أن الصور تُعطي فكرةً عن مشاعر الناس تجاه مناطق معينة في مدنهم، وهو ما يُؤثر على الشركات والتخطيط الحضري. ولفت مانوفيتش إلى أن الاهتمام بتحليل الإعلام الاجتماعي يُشجع المدن على التوصل إلى “التوازن الأمثل” في مدينة يلعب السائحون فيها دورًا اقتصاديًا مهمًا، ولا ترغب في تكدس الزوار في مناطق ميدتاون ووسط المدينة، ولا تود إنفاق الأموال على شركات تقع في منطقة واحدة، كما لا تريد اشتهار المدينة بمنطقة صغيرة دون بقية مناطقها، ولذلك كله تأثير على كيفية ترويج المدينة وإعلانها.

مصدر الصورة