هل أنظمة المواصلات في المدن الذكية عرضة للاختراق؟

لا يمنع الحديث عن ميزات المدن الذكية ووعودها بتوفير الراحة والكفاءة بحث ما قد تجلبه من تحديات ومشكلات منها تأثيرها على نظام الإدارة وخصوصية المواطنين، بالإضافة إلى التحدي الأمني.

ويرى خبراء الأمن الإلكتروني أنه ما من حاجة لاعتبار سلبيات أنظمة النقل في المدن الذكية حديثًا نظريًا، وقريبًا سيزداد اهتمام القراصنة باختراقها؛ إذ أن التحكم في أنظمة انتظار السيارات وإشارات المرور وإنارة الشوارع يبدو جذابًا ليس فقط للقراصنة، وقد تلجأ إليه منظمات إرهابية ودول وجماعات المعارضة السياسية كوسيلة للضغط.

وفي الآونة الأخيرة شهدت العاصمة الروسية موسكو اختراقًا كبيرًا لنظام المواصلات فيها.  وتمكن الباحث في شركة “كاسبرسكي لاب”، دينيس ليزاجو، من التلاعب بأجهزة الاستشعار الخاصة بحركة المرور والحصول على بيانات من خلال البحث في دليل استخدام الأجهزة الذي تُتيحه الشركة المُنتجة على الإنترنت.

وكان للباحث الأمني، سيزار سيرودو، تجربةً مُشابهة قبل أكثر من عامين. وكشف سيرودو، الذي يشغل منصب الرئيس التنفيذي للتكنولوجيا في شركة “آي كيو أكتيف لابز” IOActie Labs للأمن الإلكتروني، ثغرات أمنية في أنظمة المرور في عددٍ من مدن الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة وفرنسا وأستراليا والصين، كما توصل إلى إمكانية إحداث فوضى في المرور بواسطة حواسيب رخيصة ودون الحاجة إلى معرفة تقنية بالغة التقدم.

وقال سيرودو:” لا أعتقد أننا نشهد الكثير من الهجمات الآن، ربما تستهدف بعض الهجمات المنعزلة أنظمة ضعيفة الصيانة، لكن يُشير كل شيء إلى أنها ستصير أكثر شيوعًا في المستقبل؛ نظرًا لأن التهديدات الإلكترونية تتطور باستمرار”.

وأضاف سيرودو أن انتشار التكنولوجيا على نطاقٍ واسع سيزيد من اعتياد القراصنة ومرتكبي الجرائم الإلكترونية عليها، كما سيُوفر لهم المزيد من الموارد، وربما يُنفذون هجمات ويُطالبون بالحصول على مبالغ مالية أو فدية نظير استمرار عمل الأنظمة.

وخلال الأعوام القليلة الماضية نمت سريعًا استثمارات الكثير من المدن في تكنولوجيا المواصلات والمدن الذكية، ومثلًا في شهر يونيو/حزيران الماضي فازت مدينة كولومبوس في ولاية أوهايو الأمريكية بجائزة “تحدي المدن الذكية” من وزارة النقل الأمريكية ومبلغ خمسين مليون دولار. وتضمن برنامجها الاستفادة من تطبيقات الهواتف الذكية وتوفير بطاقات مُسبقة الدفع بما يسمح لفئات مختلفة من السكان بالتنقل بواسطة الحافلات واستخدام برامج مشاركة السيارات والدراجات.

وقال المتحدث باسم مدينة كولومبوس، جيف أورتيجا، أن العمل الأساسي قد بدأ بالفعل، وأوضح أن المدينة أتمت تأسيس “مركز إدارة المرور”، ويستخدم تكنولوجيا فائقة لمراقبة إشارات المرور وإدارتها في مختلف أنحاء المدينة، وتكلف تحديث إشارات المرور ستة وسبعين مليون دولار.

وتأمل كولومبوس أن يُتيح المركز الجديد لمركبات الطوارئ المرور السريع عبر تقاطعات الطرق دون التعرض لمعوقات عند وقوع حوادث كبيرة، كما ترغب المدينة في توفير مسارات للحافلات أكثر تخصيصًا من شأنها تيسير وصول العائلات ذات الدخول المنخفضة إلى منشآت الرعاية الصحية.

وتعتمد هذه الأفكار جميعًا على مزيجٍ مُتطور من الأجهزة والبرمجيات  الجديدة التي تتمتع بمستوى أمني مقبول يرتقي لتوقعات المسؤولين والجمهور.

وتلقت مدينة كولومبوس عروض من شركات منها “سايدووك لابز” Sidewalk Labs التابعة لشركة “ألفابت”، ومن الناحية الأمنية ربما يتضمن العقد حول منصة Flow لإدارة المواصلات والمرور شروطًا مثل اشتراك “سايدووك لابز” في ملكية البيانات حول حركة المرور في المدينة، والاقتصار على نظام الشركة للمدفوعات في معالجة التعاملات المالية.

وتدفع هذه الأفكار للتساؤل عن طبيعة التحكم في النظم المُعتمدة على الحوسبة السحابية في المستقبل. وفيما يخص مدينة كولومبوس وشركة “سايدووك لابز”، فقد قال الطرفان أنه لم يتم حتى الآن توقيع اتفاق بينهما.

ويشمل برنامج مدينة كانساس سيتي في ولاية ميزوري  للتحول إلى مدينة ذكية خط الترام الجديد الذي يمتد لمسافة ميلين تقريبًا، بالإضافة إلى أجهزة استشعار في مساحات انتظار السيارات تسمح لسائقي السيارات بالوصول إلى أماكن شاغرة قريبة من خط الترام، وكذلك تركيب أجهزة استشعار في مصابيح الشوارع لتزيد آليًا من قوة الإنارة عند وجود المشاة.

وقررت مدينة كانساس سيتي إتاحة أكبر قدر مُمكن من البيانات أمام الجمهور، لكن ذلك لا يعني تخزين كل شيء في موقعٍ واحد في الفضاء الإلكتروني كما قال توم جيريند، المدير التنفيذي في هيئة الترام في المدينة ورئيس مجلس إدارة المجلس الاستشاري للمدينة الذكية.

وقال جيريند أن المدينة تستخدم نظامًا سحابيًا لتخزين بيانات أجهزة المدينة مثل الكاميرات ومصابيح الشوارع ونحو ذلك، دون بيانات الترام: “لدينا خدمات مُنفصلة للأنظمة الفرعية الفردية، ثم نجمع البيانات التي نرغب في إتاحتها للجمهور”.

ورأى فون ويلش، مدير مركز الأبحاث التطبيقية للأمن الإلكتروني في “جامعة إنديانا” الأمريكية، أن الشركات المُصنعة لأجهزة  نظم المواصلات  الذكية ستخوض طريقًا صعبًا مع اتجاهها إلى توفير ميزات أمنية في منتجاتهم، وهو أمر ربما يحدث للمرة الأولى.

وقال ويلش: “لدينا الكثير من الشركات التي تصنع أجهزة جديدة لإنترنت الأشياء الحضري، ولم يسبق لها صنع حواسيب أو تطوير برمجيات من قبل، وعليها تعلم الكثير من الدروس التي سبق لبقية الشركات في صناعة تكنولوجيا المعلومات تعلمها على مدار السنوات العشرين الماضية”. وتشمل هذه الدروس سُبل التعامل مع التهديدات الأمنية وجمع المعلومات عن ثغرات قد يكتشفها الجمهور.

وقال سيزار سيرودو، من شركة “آي كيو أكتيف”، أنه ينبغي على المدن والحكومات حول العالم التعاون، ولاسيما فيما يخص الحوسبة السحابية وبناء أنظمة مُتعددة الطبقات يُفترض مناعتها أمام أغلب القراصنة والمخترقين.

وتابع سيرودو أن الحكومات لا تُطبق معايير الأمن الإلكتروني، كما لا يوجد ما يدفع الشركات المُنتجة إلى توفير حلول أكثر أمنًا في ظل إغفال الحكومات هذا الجانب، واعتقادها بصحة دعاية الشركات.

وحذَّر سيرودو أنه لا توجد مزايا ذكية عند بناء مدينة تتوافر فيها أحدث تكنولوجيا المواصلات، وفي الوقت نفسه تدع بنيتها التحتية عرضة لخطر القراصنة وحتى هواة يعبثون بالتكنولوجيا أو ما هو أسوأ من ذلك.الال

إضافة تعليق على المقاله