الشركات الناشئة وحدها ليست دلالة على اقتصاد تنافسي وابتكاري

يُطلق على الشركات الناشئة التي تعتمد على استثمارات رأس المال المُخاطر وتتخطى قيمتها مليار دولار “يونيكورن” نسبةً إلى الحيوان الأسطوري وحيد القرن. وتحظى هذه الشركات، مثل “أوبر” و”سناب شات”، بالكثير من اهتمام الصحافة ووسائل الإعلام بما يفوق شركات أقدم وأكبر على غرار “جنرال موتورز” و”وولمارت”.

ويُمكن تفهم كل هذا الحماس لشركات “يونيكورن” لدرجةٍ ما؛ إذ حقق الكثير منها نموًا مذهلًا. ومثلًا كشفت شركة “سناب”، التي تمتلك تطبيق “سناب شات”، نمو عائداتها بنسبة 600% لتصل إلى 404 مليون دولار خلال عام 2016. ومنذ 2012 تُضاعِف “إير بي إن بي” تقرييًا عدد مستخدميها بمعدل سنوي، وتبلغ قيمتها حاليًا 30 مليار دولار ما يُقارب “ماريوت إنترناشيونال”، وهي أكبر سلاسل الفنادق في العالم.

وأثار هذا النوع من النمو السريع مخاوف الشركات الكبيرة من سيطرة شركات على غرار “أوبر” على قطاعاتهم. وفي بعض الأحيان كان لهذه المخاوف ما يُبررها مثل تراجع عائدات الشركات الكبيرة لصالح منافسين جدد. ويُضاف إلى هذا القلق تنبؤات المحللين بتفوق الشركات الناشئة.

وكتب سليم إسماعيل ومايكل إس. مالون في كتاب “المؤسسات سريعة النمو”: “لن تكون الشركات العملاقة مُجبرة على التنافس معها فقط، بل إنها ستُسحق، وتقريبًا بين عشية وضحاها، من قِبل جيل جديد من الشركات التي تستثمر قوة تقنيات استثنائية مثل البرمجيات التعاونية والتنقيب في البيانات والأحياء التركيبية والروبوتات… سيصير مؤسسو هذه الشركات قادة اقتصاد العالم خلال المستقبل المنظور”.

ويعتقد البعض أن ريادة الأعمال تدعم حيوية الاقتصاد من خلال التخلص من الكيانات القديمة بأساليبها المعتادة وتحسين الإنتاجية وتوفير فرض عمل، لكن على الرغم من كل هذا الاهتمام والقلق حيال شركات “يونيكورن”، فإنها تُخالف الصورة الشائعة عنها للأسباب التالية:

أولًا: “يونيكورن” شريحة ضئيلة من الاقتصاد:

في نوفمبر/تشرين الثاني 2016 بلغت القيمة السوقية لعدد 179 شركة ناشئة من فئة “يونيوكورن” 646 مليار دولار، 56% منها في الولايات المتحدة بقيمة إجمالية بلغت 353 مليار دولار. لكن هذا الرقم الكبير يقل عن 2% من القيمة السوقية للشركات التي تُؤلف مؤشر “إس آند بي 500” لأكبر الشركات في بورصة نيويورك وتبلغ 19.9 تريليون دولار.

القيمة السوقية للشركات الناشئة "يونيكورن" بحسب المنطقة

القيمة السوقية للشركات الناشئة “يونيكورن” بحسب المنطقة وتحتل الولايات المتحدة المرتبة الأولى بأكثر من النصف

ثانيًا: توقعات باستمرار الوضع الحالي:

يتراجع معدل انضمام الشركات الناشئة إلى فئة “يونيكورن”. وبينما بلغ عددها 38 شركة خلال النصف الثاني من عام 2015، انضمت 19 شركة فقط إلى هذه الفئة في النصف الأول من العام التالي. ويُمكن تفسير الصعود السريع لشركات “يونيكورن” خلال الأعوام الخمس الفائئة بتطور محوري لا يتكرر كثيرًا؛ وهو ظهور الهواتف الذكية كمنصة عالمية وواسعة الانتشار للاتصالات، أفسحت المجال لتقديم مئات الشركات الناشئة لتطبيقات ومنتجات راهنت على عالم المحمول ونمت بوتيرةٍ غير مسبوقة.

وبعد مضي عقد على طرح هاتف “آيفون”، ربما تكون أهم الأفكار في عالم المحمول قد ظهرت بالفعل. كما لم يتبين بعد ما إذا كانت الشركات الناشئة التي تُركز على تقنيات أخرى كالجينات والروبوتات ستنجح في التوسع السريع على غرار الشركات المهتمة بالهواتف الذكية.

ثالثًا: الروح الريادية لا تدوم طويلًا:

يُجبر النمو والتوسع الشركات الناشئة على التعامل مع مُتطلبات الحجم والتعقيد، وتكتسب مع الوقت بعض البيروقراطية. ومثلًا وصل عدد نواب الرئيس في إحدى الشركات الناشئة للبرمجيات إلى 600 موظف حين بلغت عائداتها أربعة مليارات دولار. ما يعني أن “يونيكورن”، مثل المؤسسات الأكبر والأقدم، ليست محصنة من التصلب البيروقراطي. ومع تفاقم البيروقراطية، طبقةً بعد أخرى ونظامًا يليه آخر، تنطفئ شرارة ريادة الأعمال، وهو ما يُفسر مثلًا تراجع “تويتر” أمام “سناب شات” الأكثر شبابًا.

رابعًا: الاقتصاد الأمريكي لا يُرحب بالشركات الناشئة:

على العكس من اهتمام الإعلام بشركات “يونيكورن” ينحسر على نحوٍ مُطرد ترحيب الاقتصاد الأمريكي بالشركات الناشئة. ووفقًا لبيانات “مكتب الإحصاءات الأمريكي” تراجعت الشركات الجديدة التي تأسست بين عاميّ 2005 و2014 بعدد 700 ألف شركة مُقارنةً مع عددها بين 1985 و1994. كما تراجع عدد الشركات الناشئة المُؤثِرة التي تُحدِث نموًا كبيرًا في الإنتاجية والوظائف منذ عام 2000.

خامسًا: تواصل نمو القوة الاقتصادية للشركات الضخمة:

خلال العقود الماضية تزايدت سطوة الشركات الكبيرة، وخلص تحليلٌ حديث من مجلة “الإيكونوميست” إلى أن ثلثي قطاعات الاقتصاد الأمريكي صارت أكثر تركزًا بين أيدي قلة من الشركات من 1997 إلى 2012، وارتفع متوسط نصيب أكبر أربع شركات في كل قطاع من 26 إلى 32%.

حصة أكبر الشركات في كل قطاعات الاقتصاد الأمريكي

ارتفعت حصة أكبر الشركات في ثلثي قطاعات الاقتصاد الأمريكي خلال الفترة من 1997 إلى 2012

سادسًا: نمو عمليات الاندماج والاستحواذ:

يعكس نمو تأثير الشركات الكبيرة زيادة عدد عمليات الاندماج والاستحواذ، وسجلت في عام 2015 رقمًا قياسيًا بلغ خمسة تريليونات دولار. وتهدف الكثير منها لمواجهة تهديدات جديدة من شركات ناشئة وتقنيات جديدة أو رفع نفوذ الشركات. ويُضاف إلى ذلك تباطؤ معدل الطرح العام الأولي لأسهم الشركات، وخلال الأعوام العشرين الماضية فقدت الولايات المتحدة ما يقرب من 50% من شركاتها العامة، ولم يجد هذا الانخفاض تعويضًا من الشركات الخاصة التي تراجعت بمُعدل أقل حدة.

ويعني ذلك إجمالًا تراجع ريادة الأعمال وتنامي تكتلات الشركات، وترجع إشكالية هذا الوضع إلى تناقضه مع أسس الاقتصاد الحيوي؛ إذ من المستحيل أن ينشأ في ظل هيمنة شركات مُنعزلة ومُقيدة بأعباء العمليات البيروقراطية. ولا يقتصر العلاج على تشجيع تأسيس المزيد من الشركات الناشئة على طراز مشروعات التكنولوجيا وادي السيليكون مع ضرورة ذلك، وإنما يتمثل في إدراك الأهمية المساوية لقوانين مكافحة الاحتكار وتضافر الجهود لإطلاق طاقة ريادة الأعمال الكامنة في المؤسسات الضخمة.

وفيما يخص المؤسسات الضخمة هناك نماذج ناجحة مثل “أمازون” التي صارت أشبه بمصنع للمشروعات الجديدة، وأسست خدمات ناجحة مثل “أمازون ويب سيرفيسز” للحوسبة السحابية و”أمازون فريش” لتوصيل المواد الغذائية وأخرى لتوصيل طلبات المطاعم وحجز التذاكر ومقاطع الفيديو وغيرها. ويُدرك الرئيس التنفيذي للشركة جيف بيزوس أن الابتكار هو العامل الحاسم في النجاح، ولذلك تعهد بجعل “أمازون” “المختبر الأكبر في العالم”.

وبالمثل أعلن الرئيس التنفيذي لشركة “هاير” Haier الصينية للأجهزة المنزلية، تشانج روي مين، التزامه بتحويلها إلى منصة لريادة الأعمال ليشعر كل موظف أنه يعمل في شركة ناشئة. ولتحقيق هذه الغاية قُسمت “هاير” إلى أكثر من أربعة آلاف مشروع صغير يتمتع باستقلالية ويختار الموظفون القيادات.

وتزدهر ريادة الأعمال في مؤسسات جريئة وبسيطة ومنفتحة ومسطحة. ولا تقتصر هذه السمات على الشركات الناشئة عالية القيمة، وإنما ينبغي غرسها في مختلف المؤسسات لتكون بيئة حاضنة ومرحبة بالابتكار وريادة الأعمال بصرف النظر عن حجمها وتاريخها.

المصدر

الصورة

إضافة تعليق على المقاله