كيف سيؤثر التشغيل الآلي على الوظائف؟

بعد فترة قصيرة من توليه منصبه كرئيس للولايات المتحدة الأمريكية في العقد السادس من القرن العشرين أنشأ ليندون جونسون لجنة وطنية للبحث في آثار التشغيل الآلي والآلات المتطورة، وقال أنه لا ينبغي أن تدفع الأسر ثمنًا متفاوتًا نظير التقدم، كما لا يجب اعتبار التشغيل الآلي عدوًا: “إذا فهمناه وخططنا له وطبقناه جيدًا، فلن يكون مدمرًا للوظائف أو سببًا لتشريد الأسر، بل باستطاعته اقتلاع الرتابة من عمل الإنسان وتزويده بأكثر مما توافر له في أي وقت مضى”.

وبعد مضي نصف قرن على كلمات جونسون، حققت التكنولوجيا تطورات أبعد وبوتيرة أسرع كثيرًا، ولا يزال القلق من آثارها على الاقتصاد ومستقبل الوظائف قائمًا. لكن مع مواصلة التكنولوجيا تقدمها وامتدادها إلى مختلف المجالات، استمر البشر في العمل وأُعيد تشكيل بيئة العمل مرارًا لمواكبة التغيرات الجارية، وحلت وظائف جديدة مكانة أخرى قديمة، وهو نمط تكرر منذ بداية الثورة الصناعية قبل قرنين حين عمل 60% من الأمريكيين في الزراعة، في حين تقل نسبتهم اليوم عن 2%.

وتناولت دراسة جديدة من “معهد ماكينزي العالمي” الآثار المحتملة للتشغيل الآلي، وحللت أكثر من 2000 نشاط في 800 تخصص. وركز البحث على الأنشطة؛ نظرًا لأن جميع الوظائف تتألف من أنشطة متعددة تتباين درجة تأثرها بتطور التشغيل الآلي. وخلصت الدراسة إلى أن نصف أنشطة وظائف اليوم يُمكن إنجازها آليًا بواسطة التكنولوجيا الحالية.

وتنطوي أغلب الأنشطة التي يُمكن تنفيذها آليًا على جمع البيانات ومعالجتها والعمل اليدوي في بيئات يُمكن التنبؤ بتطوراتها مثل المصانع، وتُشكل 51% من أنشطة التوظيف وبأجور تبلغ 2.7 تريليون دولار في الولايات المتحدة. وتنتشر في قطاعات مثل التصنيع وتجارة التجزئة والمستودعات وخدمات الطعام والمواصلات. وسيشهد عددٌ أكبر من التخصصات تغيرات في الأجلين القريب والمتوسط. وفي غضون العقد المُقبل سيصير من الممكن إنجاز 5% فقط من التخصصات بشكل آلي تمامًا بواسطة التقنيات الحالية.

وخلص بحث “ماكينزي” إلى أن 30% من الأنشطة في 60% من التخصصات يُمكن تنفيذها آليًا، الأمر الذي سيُؤثر على مهن مختلفة من اللحام إلى عمال الحدائق والرؤساء التنفيذيين، وقدّر البحث أن البرمجيات والآلات يُمكنها أداء ربع مهام الرؤساء التنفيذيين حاليًا مثل تحليل التقارير والبيانات لدعم اتخاذ القرار.

وفي الوقت الحاضر تنامت إمكانات التشغيل الآلي بفضل تقنيات مثل الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة، تخطى دورها المهام اليدوية إلى الأنشطة الإدراكية مثل تحليل اللغة وقيادة السيارات. وتُشير هذه التطورات إلى الحاجة الماسة لتزويد الأشخاص بالمهارات المطلوبة لبيئة العمل في المستقبل ومنها القدرة على التفاعل الوثيق مع الآلات والتفكير العاطفي والاجتماعي. ويتفق البحث مع رؤية جونسون حول دور التشغيل الآلي في تعزيز الإنتاجية والرخاء والنمو الاقتصادي العالمي وتعويض ظروف ديموغرافية مثل شيخوخة السكان، ويرى أنه يُمكن أن يزيد الإنتاجية العالمية بنسبة تتراوح بين 0.8 و1.4%.

ومع ذلك، فإن توافر الإمكانات التكنولوجية للتشغيل الآلي لا يعني أنه سيحدث قريبًا؛ نظرًا لارتباطه بعوامل أخرى منها قدرة الحواسيب على تجاوز عقبات مثل توليد اللغات الطبيعية وفهمها، وكذلك آليات العرض والطلب في سوق العمل. ومثلًا إذا لم يحدث نقص في أعداد الطهاة الذين يعملون بأجور منخفضة، فلن تكون هناك حاجة لاستبدالهم بآلات باهظة التكلفة.

وبالنسبة للشركات تتمثل منافع التشغيل الآلي في زيادة الإنتاجية والابتكار وفرص التوسع واعتماد نماذج تجارية جديدة وتحسين معايير السلامة والحد من الأخطاء. أما الحكومات وصناع السياسات فالمسألة أكثر تعقيدًا؛ فمن ناحية يتعين عليهم اغتنام فرص الاستفادة من التشغيل الآلي، ومن ناحية أخرى عليهم وضع سياسات تُساعد المؤسسات والموظفين على التكيف مع التغيرات الجديدة ومنها تطوير نظم التعليم والتدريب ودعم الدخول وانتقال الأفراد إلى أماكن جديدة. كما سيكون التركيز على المهارات اللازمة للازدهار في هذا العصر الجديد أمر بالغ الأهمية.

الصورة