كيف تتشكل ثقافة الابتكار؟

كثيرًا ما يُنظر إلى الابتكار باعتباره ومضات خاطفة من الإلهام ترد فجأة لعباقرة يعملون بمفردهم أو شخصيات من طراز ستيف جوبز تُعلن إنجازات مؤسساتها أمام اهتمام الجمهور والإعلام، لكن الواقع أن الابتكار والثقافة الداعمة له يتطلب فرق عمل متعاونة وبيئة ملائمة ترحب بالأفكار الجديدة وإن بدت بعيدة عن المهام اليومية وبحث جدي وعمل دؤوب. وتُشكل هذه العوامل الفارق بين مؤسسة يزدهر فيها الابتكار وأخرى تخنق الإبداع. وتتطلب ثقافة الابتكار توفير الأمور الأربعة التالية:

1. الاهتمام بحل المشكلات:

في واقع الأمر تشبه القليل من المؤسسات الصورة الشائعة عن الابتكار كأفكار أو شخصيات عبقرية. وتتضمن المؤسسات المبتكرة الشركات الناشئة سريعة التطور، وأخرى يقودها مسؤولون يتسمون بالنضج والتأني، وبعضها شركات كبيرة ومراكز بحثية تُصنَف بين الأفضل في العالم وتتبع نهجًا محافظًا إلى حدٍ كبير.

وتتقاسم هذه المؤسسات حماسًا منضبطًا نحو اكتشاف مشكلات جديدة ترشدها إلى اتجاهات وفرص غير مألوفة أو متوقعة، بعكس أخرى تكتفي بتسيير العمل اليومي وعلاج المشكلات التي تواجهها بين فترة وأخرى.

وتختلف أساليب هذه المؤسسات كثيرًا؛ ومثلًا طورت “آي بي إم” الحاسب الفائق “واتسون” الذي تفوق على منافسه البشري في أسئلة المسابقات، وأسست “إكسبيريان” للخدمات المهنية قسم “داتا لابز” لاكتشاف المشكلات التي يواجهها عملاؤها، وتُخصص “جوجل” 20% من وقت الموظفين للبحث في مشكلات يهتمون بها.

ولا يحدث الابتكار بين عشية وضحاها، بل يستغرق سنوات للانتقال من مرحلة الاكتشافات الأولية إلى آثار يُمكن قياسها. ويتعين على المؤسسات الراغبة في الابتكار التوقف عن مُلاحقة أحدث الاتجاهات والتركيز بدلًا من ذلك على حل مشكلات تُزعج المستهلكين.

2. مساحات آمنة للابتكار:

في عام 2012 أطلقت شركة “جوجل” مشروعًا ضخمًا باسم “مشروع أرسطو”؛ بهدف اكتشاف أهم العناصر المؤثرة في نجاح فرق العمل، وبحث في جوانب مختلفة كأساليب عمل الفرق وقيادتها ومعدل لقاءات أفرادها خارج العمل وشخصيات أفراد الفريق، لكن لم تنجح أيٌ من المعايير المعتادة في التنبؤ بأداء فرق العمل. وتبين أن العنصر الأكثر أهمية هو الأمان النفسي، ويعني قدرة كل فرد على التعبير عن أفكاره دون خوف من اللوم أو الانتقام.

ومن الأمور اللافتة للانتباه أن أفضل فرق العمل من ناحية الابتكار تُوفر الأمان لبعض الأفكار الجديدة دون غيرها. وهو ما حدث في “مركز أبحاث بالو ألتو” التابع لشركة “زيروكس” حين طوّر دريك شوب وألفي راي سميث تكنولوجيا ثورية للرسوم حملت اسم “سوبر بوينت”. وبسبب عدم ملاءمتها لرؤية المركز حول الحوسبة الشخصية نُبذت الفكرة وغادر العالمان الشركة فيما بعد.

وتعاون سميث مع رائد آخر لرسومات الحاسب وهو إد كاتمول من “معهد نيويورك للتكنولوجيا”، وانضما إلى جورج لوكاس الذي رأى أن رسومات الحاسب ستُشكل نموذجًا جديدًا لفنون المؤثرات الخاصة، ولاحقًا اشترى ستيف جوبز المشروع ليبيع شركة “بيكسار” مقابل 7.4 مليار دولار في عام 2006 إلى “ديزني”.

وتُشير التجربة إلى أنه إذا ما رغبت المؤسسات في استمرار الابتكار على المدى الطويل يتعين عليها توفير مساحة آمنة لجميع الأفكار، ولا تقتصر على ما يُوافق أهدافها الأساسية فقط.

3. الشبكات غير الرسمية:

في عام 2005 بدأ فريقٌ بحثي دراسة أسباب نجاح بعض مسرحيات برودواي في نيويورك وإخفاق بعضها، ودرسوا عوامل معتادة مثل ميزانيات الإنتاج والتسويق وتاريخ المخرجين، لكن الشبكات غير الرسمية أو العلاقات بين الممثلين وفريق العمل كانت التفسير الأكثر أهمية للنجاح.

وفي حال لم يسبق لأفراد الفريق العمل معًا عادةً ما تسوء النتائج المالية والإبداعية، ويحدث الأمر نفسه حال وجود روابط متشابكة بين أفراد الفريق. وتتحقق أفضل النتائج والنجاحات عند الجمع بين العلاقات القوية والاستعانة بمواهب جديدة. وتوصلت دراسات أخرى بحثت في صناعة السيارات الألمانية وتداول العملات إلى نتائج مماثلة؛ إذ تتمتع المجموعات التي يرتبط أفرادها بصلات ضعيفة على المدى الطويل بتدفق حر للمعلومات يقود إلى ابتكارات أفضل.

ولذلك على المؤسسات قبل السعي إلى إنهاء عزلة الأقسام وفرق العمل البدء بدراسة تطور العلاقات الرسمية بين موظفي المؤسسة، والتيقن أن الابتكار يرتبط أساسًا بالشبكات وليس تجمعات متناثرة.

4. التعاون:

ربطت أبحاث مختلفة بين الأعمال مرتفعة القيمة وفرق العمل. وفي الوقت الراهن يتنامى حجم الفرق وتتنوع تخصصات أعضاءها ويتم إنجاز العمل عن بعد أكثر من ذي قبل. كما تتراكم الأدلة على أهمية طريقة العمل التي يتبعها أفراد الفريق. وبحثت دراسة أجرتها “وكالة المخابرات المركزية” الأمريكية بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 في سمات أكثر فرق التحليل كفاءة، وانتهت إلى أن نجاحها لم يرجع إلى سمات أفرادها أو التدريب، وإنما إلى التفاعلات بين أعضاء الفريق.

وتوصلت دراسة أخرى أوسع نطاقًا لباحثين من “جامعة كارنيجي ميلون” و”معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا” في الولايات المتحدة إلى أن أفضل الفرق تتألف من أشخاص يتمتعون بحساسية اجتماعية ويتبادلون الحديث، كما يلعب عدد النساء في الفريق دورًا مهمًا في النجاح.

وأظهرت الكثير من الدراسات تفوق الفرق المتنوعة على المتجانسة. ويُشير ذلك كله إلى أن المؤسسات الأكثر ابتكارًا لا تبحث عن متميزين يقدمون أفكارًا لافتة ويُقاطعون غيرهم، وإنما تسعى إلى التنوع والتعاطف والعلاقات المتشابكة التي تضمن تفاعلات أكثر فعالية في فرق العمل.

الصورة

إضافة تعليق على المقاله