ما هو السبيل لتخطي عزلة القيادات؟

في كثيرٍ من الأحيان تُرافق العزلة المناصب القيادية، وربما تبدو ثمنًا بسيطًا مقارنةً بالمكانة والمكافآت وقوة السلطة. لكن تكمن المشكلة في التأثير السلبي لانعزال القيادات على اتخاذهم للقرارات وكفاءة القيادة. ويتطلب الأمران توافر أكبر قدر مُمكن من المعلومات المباشرة من الواقع خلافًا للمعلومات المُنتقاة والمُرتبة التي تُقدم لكبار المسؤولين. وبينما تُحتم قيود الوقت انتقاء البيانات المهمة، إلا أن تولي آخرين تحديدها طيلة الوقت يُفاقم عزلة القادة ويضر برؤيتهم.

ومثلًا حين تولى جيمس ولفنسون رئاسة البنك الدولي في عام 1995 انطلق في جولات ميدانية في البلدان النامية سعيًا لفهم أنواع المشروعات التي يُنجزها البنك. وبعد عدة رحلات أدرك أنه كان يطلع فقط على المشروعات الناجحة وصور القرويين المبتسمين وإشادات مسؤولي الحكومات بدور البنك الدولي.

ولاحقًا تعلم ولفنسون الابتعاد عن مرشدي الرحلات الرسمية للتحدث إلى أشخاص لم يُجهَزوا للقاءات الرسمية؛ سعيًا لمعرفة ما يحدث في الواقع. وغيّر ذلك طريقة تقييمه لمساعدات البنك الدولي التي تمر عبر الحكومات المحلية إلى الأشخاص الذين يحتاجون إليها.

وفي معظم المجتمعات والثقافات هناك احترام راسخ للسلطة الأعلى. ولذلك من الطبيعي ميل الموظفين، بمن فيهم المستويات العليا، للاحتفاظ بآراءهم ومشاعرهم التي يخشون تعارضها مع توجهات القيادات، وربما يشعرون بعدم ارتياح في التفاعل الاجتماعي مع زملاء سابقين انتقلوا إلى مناصب قيادية، وهو أمر يزيد من عزلة القيادة ويُعزز حالة عدم اليقين حول ما يجري بالفعل.

ويزيد خوف المرؤوسين وميلهم للتملق أحيانًا حين تُعاني القيادات من التقلب، وفي تلك الحالة لا يُفضل المديرون الاستماع لنصائح الآخرين، ويحيطون أنفسهم بأشخاص يتفقون دائمًا مع آراءهم ولا يُقدمون اقتراحات مختلفة، وبالتالي يسمع القادة صدى أصواتهم وآراءهم فحسب. ومن أجل الحد من عزلة القيادات من المهم القيام بالخطوات التالية:

أولًا: انتباه القيادات إلى حالة العزلة:

في أغلب الأحيان يصعب اكتشاف المسؤولين انعزالهم عن بقية المؤسسة؛ فمع الحماس للمنصب الجديد والحاجة إلى الكثير من الوقت والجهد للتكيف سعى الكثير من الموظفين لموافقة آراء قياداتهم واستباق طلباتهم وإنجاز مهام يعتبرونها أقل أهمية. وبعد فترة يتحول هذا النمط إلى وضعٍ مألوف.

ولذلك من المهم أن يطرح القادة تساؤلات حول شعورهم بالانعزال وفقدان التواصل مع الآخرين، وما إذا كان الموظون يُعارضون أفكارهم أم يُفضلون موافقتهم في كل الأوقات. وكذلك يبحثون في إطلاعهم على البيانات الأولية أم أن فريق العمل يتولى تنظيمها أولًا وترتيبها بحسب الأهمية.

ثانيًا: الخروج من الفقاعة:

تُحيط جميع القادة البارزين فقاعة مادية أو افتراضية تتمثل في زخارف المنصب من الطابع الرسمي لأثاث المكتب وعشاءات العمل والتقارير المالية وتنظيم المساعدين للرحلات والمواعيد والبرنامج اليومي المزدحم، ولا يدع كل ذلك وقتًا كافيًا للتفكير المُطول.

ويحتاج القادة للهروب من هذه القيود، ومثلًا كلفت شركة “زيروكس”، أثناء مرحلة التحول بقيادة آن ملكاهي في مطلع الألفية، كل عضو في فريق القيادة بالعمل مع مجموعة صغيرة من أهم عملاء الشركة، ما سمح لهم بالتواصل المباشر مع العملاء والاستماع إلى آراءهم. وكذلك تشترط “فيدلتي” للخدمات المالية قضاء المسؤولين البارزين بعض الوقت في الرد على مكالمات خدمة العملاء.

وبمقدور المسؤولين تنظيم اجتماعات مباشرة مع فرق العمل الأقل مرتبة في غياب القيادات الوسطى، والاستماع إلى أفكارهم حول ظروف العمل وتنفيذ الاستراتيجيات وآراء المستهلكين. كما يُمكنهم المشاركة في ملتقيات للإجابة عن أسئلة الموظفين. ويُوفر ذلك بيانات أولية تُفيد في اتخاذ القرارات.

ثالثًا: حث الموظفين على الجهر بآراءهم:

يتوجب على القادة تشجيع فريق العمل على عرض اقتراحات تُخالف رؤية القيادة، والتأكد من وجود أشخاص لديهم الشجاعة للتحدث والانتقاد صراحةً، وهي قدرة تتباين من شخصٍ إلى آخر. كما ينبغي أن يتمتع القادة بقوة الشخصية التي تدفعهم للاستماع لوجهات النظر المُعارضة سواءً خلال الاجتماعات أو على نحوٍ مُنفرد وتقبل الخلاف. ولا يسهل على القادة دائمًا القيام بذلك، ويحتاج البعض منهم للاستعانة بتدريب من متخصصين.

وتبدو العزلة جزءًا حتميًا من الوظائف القيادية، لكن تأثيرها السلبي على اتخاذ القرارات والارتقاء بالمؤسسات رهن بيد القادة أنفسهم.

المصدر والصورة

إضافة تعليق على المقاله