ما هي العوامل التي دعمت العصر الذهبي للابتكار في الولايات المتحدة؟

يرتبط النمو الاقتصادي وقدرة الاقتصاد على المنافسة بالتطور التكنولوجي، ولذلك تهتم الحكومات والشركات بتوفير الظروف المُلائمة للابتكار. وسعت دراسة لتحليل ظروف الولايات المتحدة الأمريكية خلال العصر الذهبي للابتكار في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين حين كانت أبرز الدول الصناعية الرائدة في العالم؛ في محاولة لفهم العوامل التي دعمت الابتكار آنذاك.

وتميز العصر الذهبي بأسماء رواد بارزين مثل توماس أديسون ونيكولا تسلا في الإضاءة الكهربائية، وألكسندر جراهام بيل وإليشا جراي في الاتصالات الهاتفية. وتتجاوز الدراسة هؤلاء المشاهير إلى تحليل مجموعة بيانات منظمة تضم ملايين براءات الاختراع والأفراد بين عاميّ 1880 و1940. وربط التحليل براءات الاختراع بمعلومات على مستوى الولايات المتحدة عمومًا وكل ولاية على حدة.

وقبل قرن اختلف سياق التطور التكنولوجي عما هو عليه الآن. وفي عام 1880 جاءت أغلب الاختراعات نتيجة عمل المبتكرين خارج الشركات، وكانت مختبرات الأبحاث كالمختبر الذي افتتحه أديسون عام 1876 في مينلو بارك في ولاية نيو جيرسي أمرًا نادرًا. وتغير ذلك ابتداءً من منتصف القرن العشرين حين بدأت الشركات الحديثة بالهيمنة على براءات الاختراع، وبحلول عام 2000 سُجل 80% تقريبًا من براءات الاختراع لمبتكرين على صلة بشركات.

وتبين التأثير الكبير للابتكار على النمو الاقتصادي، والصلة بين براءات الاختراع في كل ولاية ونصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي فيها. ومثلًا بين 1900 و2000 شهدت ولاية ماساتشوستس أربعة أضعاف براءات الاختراع ولاية وايومنج، وبحلول عام 2000 كانت ماساتشوستس أغنى بنسبة 30% وفقًا لنصيب كل فرد من الناتج المحلي الإجمالي.

وأظهرت الدراسة، التي حملت عنوان “ازدهار الإبداع الأمريكي: الابتكار والمخترعين في العصر الذهبي”، تباين الابتكار من منطقة لأخرى في الفترات المختلفة. واليوم يتراجع الابتكار في منطقة “حزام الصدأ” التي كانت مركزًا مهمًا للابتكار خلال العصر الذهبي. ويُشير المصطلح إلى التدهور النمو الاقتصادي والسكاني منذ منتصف القرن العشرين بسبب تراجع قوة القطاع الصناعي في منطقة شمال شرقي الولايات المتحدة والبحيرات الكبرى وولايات الغرب الأوسط.

ويرتبط ازدهار الابتكار بالمناطق مرتفعة الكثافة السكانية التي تسمح للأشخاص بالتفاعل مع بعضهم البعض، كما ينتعش عند توافر أسواق المال التي تُقبِل على تمويل الاختراعات، وكذلك في المناطق المُنفتحة اجتماعيًا واقتصاديًا على الأفكار الجديدة. وفي المُقابل كان لإرث العبودية في بعض الولايات تأثيرًا سلبيًا على الابتكار.

وخلال العصر الذهبي للابتكار في الولايات المتحدة كانت الأغلبية العظمى من المبتكرين من البيض والذكور، وانخفضت معدلات الزواج لديهم عن غيرهم، كما أنجبوا عددًا أقل من الأطفال، وقد يرجع ذلك إلى انشغالهم بالاكتشافات التكنولوجية.

وكان مجال الابتكار بالغ التنافسية بحيث نجح أفضل المبتكرين واختفى أقلهم قدرة، كما حقق المجال أرباحًا مالية ضخمة. وخلافًا للصورة الشائعة عن ابتكارات الهواة، تبين ارتباط الابتكار بتحصيل تعليمٍ جيد. كما كان للخلفيات العائلية دور في تحديد فرص الابتكار منذ النشأة، وفي وجود والد مخترع تزيد احتمالات أن يسير الابن على خطاه؛ نظرًا لأن الآباء قد ينقلون اهتماماتهم وطموحاتهم إلى الأبناء، وييسرون لهم التواصل مع الشبكات الاجتماعية المناسبة.

وخلصت الدراسة إلى الصلة الإيجابية بين دخل الأسرة وابتكار الأبناء، ويعني هذا زيادة احتمالات استبعاد الموهوبين الذين ينحدرون من عائلات منخفضة الدخل. وقد يُشكل التعليم الصلة بين مستوى الدخل والابتكار بسبب توفير العائلات مرتفعة الدخل تعليم جيد لأبنائها يدعم فرصهم لاحقًا في نجاح ابتكاراتهم.

وتطرقت الدراسة إلى العلاقة بين الابتكار وانعدام المساواة في الدخل. وتُمثل الابتكارات الجديدة قوةً دافعًة للتغيير قد تُقلل تفاوت الدخل أو تُبقي عليه. وتتوقف العلاقة بين الابتكار والتفاوت على نوع التفاوت وطبيعته. وبينت النتائج الارتباط السلبي بين الابتكار و”معامل جيني”، وهو مقياس شائع للعدالة في توزيع الدخل ويتدرج بين صفر وواحد، ويدل الصفر على المساواة في دخول أفراد المجتمع الواحد، بينما يُشير الرقم واحد إلى تنامي عدم المساواة. ويعني ذلك تراجع الابتكار في الولايات التي تشهد تباينًا أكبر بين دخول سكانها، لكن انتعش الابتكار في الولايات التي استحوذ فيها 1% من السكان على حصة أكبر من الدخل مثل نيو جيرسي وماساتشوستس وكونيتيكت.

وتتسق هذه النتائج مع أسلوبين لتحليل انعدام المساواة. فإذا كان الحديث عن العائدات المالية الناتجة عن براءات الاختراع وحقوق الاحتكار فسيكون هناك ارتباطًا إيجابيًا بين الابتكار وانعدام المساواة، أي سيُعمق الابتكار انعدام المساواة ويزيد تركزه في أيدي القلة. وفي حال كان الابتكار يسمح بدخول أفكار جديدة ومشروعات صغيرة إلى المنافسة فسيقود إلى توزيع أفضل للدخل وتراجع مستويات انعدام المساواة.

وتستند الدراسة على أهمية مسيرة الابتكار خلال العصر الذهي في الولايات المتحدة لتطور الابتكار التكنولوجي في الوقت الراهن. ويعتمد كلٌ من الابتكار والنمو على التغيرات طويلة الأمد. واليوم يُمثل إنشاء مجال للابتكار ديناميكي وشامل تحديًا مثلما كان كذلك قبل مائة عام.

الصورة