آفاق استخدام “بلوك تشين” في تنظيم السجلات الصحية الإلكترونية

تسعى مؤسسات الرعاية الصحية لإيجاد سُبل سهلة وآمنة لزيادة مشاركة البيانات فيما بينها مع المحافظة على خصوصية المرضى. وتُعاني الوسائل الحالية من عيوب مثل تباين القوانين المحلية والقواعد التي تتبعها كل مؤسسة، وهي أمور يُمكن لتكنولجيا “بلوك تشين” معالجتها. وفي الوقت الراهن تتم مشاركة البيانات الطبية عبر ثلاثة مسارات:

الأول: الدفع: ويعني إرسال مجموعة من المعلومات الطبية من مُقدم لخدمات الرعاية الصحية إلى آخر، كالمراسلات بين طبيب الطوارئ والطبيب المتخصص. ويجري الاتصال بين طرفين دون أن يتمكن أي طرف آخر من الإطلاع على البيانات.

وفي الولايات المتحدة يُستخدم معيار آمن للبريد الإلكتروني يُطلق عليه “دايركت” Direct يسمح بنقل آمن ومشفر بين الطرفين. ويفترض هذا الأسلوب توافر البنية التحتية المُلائمة كدليل إلكتروني لمقدمي خدمات الرعاية الصحية واتفاقات قانونية تُتيح المشاركة واسعة النطاق للبيانات، ولا يكفل هذا الأسلوب وسيلة قياسية للتدقيق ولا يضمن سلامة البيانات من مرحلة توليدها وحتى استخدامها.

الثاني: السحب: ويعني استعلام أحد مُقدمي الرعاية الصحية عن معلومات معينة من آخر، كاستفسار طبيب القلب عن حالة المريض من طبيب الرعاية الأولية. وعلى غرار أسلوب الدفع تجري جميع الموافقات والتصاريخ بطريقة غير رسمية وبحسب كل حالة في غياب آلية موحدة للمراجعة.

الثالث: العرض: ويُشير إلى إمكانية إطلاع إحدى الجهات التي تُقدم خدمات الرعاية الصحية على بيانات توجد داخل سجل جهة أخرى. ولا تتبع طريقة موحدة لضمان أمن البيانات، ولا تعتمد بالضرورة على العلاقة القائمة بين المريض ومُقدم الرعاية الصحية.

ولكلٍ من الأساليب الثلاث ميزاته وعيوبه، لكنها جميعًا عرضة لتباين السياسات المحلية والقواعد الداخلية وصرامة تطبيق سياسات الخصوصية. وفي المُقابل تُقدم تكنولوجيا “بلوك تشين” أدوات مختلفة للتشفير وأمن البيانات والتدقيق القياسي.

وصُممت “بلوك تشين” في الأصل كسجل للتعاملات المالية تضم عمليات الإيداع والسحب مُرفقة بالتواريخ، وتُنشئ سلسلة محتوى لا يُمكن تغييرها ويُسمح فقط بالإضافة إلى نهايتها، وتُوزع نسخ منها إلى كل عقدة أو طرف مُشارك ضمن الشبكة. وتعتمد على خمسة مبادئ:

  1. قاعدة البيانات المُوزعة: تسمح بوصول أي طرف في الشبكة إلى قاعدة البيانات وتاريخها، والتحقق من سجل التعاملات دون وسيط دون أن يتمكن وحده من التحكم فيها.
  2. التواصل من الند إلى الند: تجري الاتصالات مُباشرةً بين أعضاء الشبكة أو النظراء بدلًا من المرور بنقطة مركزية، وتُخزن المعلومات لدى جميع الأعضاء.
  3. الشفافية والأسماء المُستعارة: تستطيع جميع الأطراف الإطلاع على التعاملات، ويستخدم كل طرف عنوانًا يتألف من أكثر من ثلاثين عنصرًا من الحروف والأرقام، ويحق له الاختيار بين إخفاء هويته أو إعلانها، وتتم التعاملات بين العناوين.
  4. استحالة تغيير السجلات: بعد إضافة المعاملة إلى قاعدة البيانات لا يُمكن تعديل السجلات نظرًا لارتباط كل معاملة بما سبقها، وتُستخدم خوارزميات لضمان استمرار البيانات وترتيبها زمنيًا.
  5. المنطق الحسابي: بفضل الطابع الرقمي لتكنولوجيا “بلوك تشين”، من المُمكن برمجتها وإضافة خوارزميات تُنفِذ التعاملات آليًا.

وفي الوقت الراهن يُحاول المختصون التوفيق بين البيانات الطبية الصادرة من العيادات والمستشفيات والمختبرات والصيدليات وشركات التأمين، لكن ذلك لا يُجدي نفعًا في كثيرٍ من الأحيان؛ بسبب غياب قائمة موحدة تجمع الجهات التي تتعامل مع البيانات أو ترتيب صدورها. وحتى مع التحسن الحالي لمعايير البيانات، يتبع كل سجل إلكتروني للبيانات الصحية أسلوبًا مختلفًا في تخزين البيانات، ما يجعل من الصعب معرفة البيانات ووقت تسجيلها والجهة التي قامت بذلك.

ومع استخدام “بلوك تشين” من المُمكن تصور إرسال تحديثات بجميع الأدوية والمشكلات وتحذيرات الحساسية إلى سجل مفتوح المصدر وموثوق به على مستوى المؤسسات الصحية، وبذلك سيصير بمقدور المؤسسات فهم أية إضافة أو حذف وتدقيقها، والإطلاع على جميع قواعد البيانات في السجل، كما ستضمن سلامة البيانات ابتداءً من إنتاجها وحتى استخدامها دون تدخل بشري.

واختبر فريقٌ من الباحثين في “معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا” و”مركز بيت إسرائيل ديكونيس الطبي” في الولايات المتحدة فعالية استخدام “بلوك تشين” في سجلات الرعاية الصحية في بحثٍ بعنوان “دراسة حالة لبلوكتشين في الرعاية الصحية”. وعرضوا لأسلوبٍ جديد غير مركزي لإدارة السجلات الإلكترونية الصحية بواسطة “بلوك تشين” باسم “ميد ربك” MedRec.

ولا يُخزّن نظام “ميد ريك” السجلات الصحية، كما لا يتطلب تغييرًا في طريقة العمل، وإنما يُخزّن توقيع كل سجل في نظام “بلوك تشين”، ويُخطِر المريض الذي يختار الجهات التي ينقل إليها بياناته الصحية. ويضمن التوقيع الاحتفاظ بنسخ غير مُعدلة من السجلات. وبذلك تتحول مسؤولية إدارة السجلات الصحية إلى المرضى بدلًا من المؤسسات. وربما يُوكل المرضى الذين لا يرغبون في إدارة بياناتهم هذه المهمة إلى شركات متخصصة.

ومن بين التحديات التي تُواجه “ميد ريك” ضرورة تطوير واجهة استخدام تُسهِّل على المرضى التفاعل مع بياناتهم وتُقلل الفجوة بين المؤسسات. وحاليًا تُعاني أغلب البوابات الإلكترونية المُخصصة للمرضى من تصميمات مُعقدة تختلف من مؤسسة لأخرى.

ويُخطط فريق “ميد ريك” لتحسين النظام بإضافة أنواع أخرى من البيانات وعدد أكبر من المساهمين والمستخدمين. كما يبحث بدائل مبتكرة للتطبيقات الحالية من “بلوك تشين” تتطلب قدرًا أقل من طاقة الحوسبة.

وتستند الاستعانة بتكنولوجيا “بلوك تشين” في سجلات الرعاية الصحية على أساسين؛ الأول: تجنب إضافة منظمة أخرى تفصل بين المريض والبيانات، ولا تقوم “بلوك تشين” مقام هيئة لتبادل البيانات أو صندوق آمن للبيانات. وبدلًا من ذلك تتضمن آلية تحكم لامركزية تجمع كل الأطراف ذات الصلة دون أن يتحكم أي منها بمفرده. ومن شأن هذا التغيير أن يُعمم السجلات الطبية التاريخية. أما الأساس الثاني فيكمن في توفير سجل مرفق بالتواريخ ويُمكن برمجته ويتضمن آلية للتدقيق دون الحاجة إلى تنظيم مخصص لكل طرف يمتلك السجلات الإلكترونية الصحية.

ولا يزال استخدام “بلوك تشين” في مجال الرعاية الصحية في مراحله المُبكرة، وينتظر تولي جامعات غير هادفة للربح تطويره بالقدر الكافي قبل البدء في استخدامها لأغراض تجارية.

المصدر

الصورة

إضافة تعليق على المقاله