هل يُساوي تأثير “بلوك تشين” على النظام المالي أثر الإنترنت على الإعلام؟

أحدث الإنترنت تأثيرًا واضحًا على جوانب كثيرة من حياة البشر من التسوق والتواصل الاجتماعي والترفيه وحتى أحداث سياسية كالربيع العربي والانتخابات. ومثلما صار الإنترنت الوسيلة الأساسية لقراءة الأخبار لدى الملايين، ربما ستُحدث العملات الرقمية وتكنولوجيا “بلوك تشين” تأثيرًا مُماثلًا.

وفي الواقع هناك الكثير من أوجه الشبه بينهما؛ وعلى غرار الإنترنت تعتمد العملات الرقمية مثل “بيتكوين” على تطورات في تقنيات أساسية وتصميمات جديدة مفتوحة، كما تُشبهه في عدم المركزية ووجود بروتوكلات يُقدم الأفراد والشركات منتجات وخدمات استنادًا عليها.

ومثل المراحل المُبكرة من تطور الإنترنت تتنافس تقنيات متنوعة، ومثله أيضًا تزيد قوة “بلوك تشين” مع اتساع نطاق استخدامها. واستغرق تطور الإنترنت عدة عقود ابتداءً من “إيثرنت” التي وضعت معايير تبادل الحواسيب للبيانات وصولًا إلى الشكل الحالي وبروتوكول “نقل النص التشعبي”.

لكن أحد الفوارق الأساسية بين الإنترنت و”بلوك تشين” تتمثل في البداية غير التجارية للإنترنت بتمويل من وزارة الدفاع الأمريكية واستهداف ربط الجامعات ومؤسسات الأبحاث دون السعي لجني المال. وسمحت هذه البداية البعيدة عن المصالح التجارية بتعاون المؤسسات على نحوٍ لم يكن ليحدث في ظل آليات السوق والمنافسة.

وكان البريد الإلكتروني هو التطبيق الأكثر أهمية للإنترنت وعزز استخدامه، وتشغل “بيتكوين” المكانة نفسها بالنسبة لتكنولوجيا “بلوك تشين”، وزادت من انتشارها وجعلت من “بلوك تشين” المستخدمة معها الأكثر أمانًا. وتدعم “بلوك تشين” تطبيقات متنوعة مثل العقود الذكية وتسجيل الأصول وتعاملات أخرى تتجاوز الاستخدامات المالية والتجارية.

وتُقدم “بيتكوين” نموذجًا مُصغرًا لنظامٍ مالي آلي وغير مركزي. وبينما لا تزال إمكاناته الحالية محدودة كانخفاض حجم التعاملات مُقارنةً بأنظمة الدفع التقليدية، فإنه يُبشر بفرض أكبر في المستقبل على المستويين الاقتصادي والتنظيمي. ومثلًا تتضمن التعليمات البرمجية في “بيتكوين” قواعد التعاملات وتتولى الشبكة رصد المخالفات بدلًا من كتابة القواعد وقيام مؤسسات تنظيمية بمراقبة تنفيذها واكتشاف المخالفات كحال النظام المالي القائم.

كما تشمل التعليمات البرمجية السياسة النقدية كصدور النقود الجديدة كل عشر دقائق وعدم تجاوز المعروض من “بيتكوين” 21 مليون وحدة، وهي قاعدة للمال الثابت تُشبه اشتراط توافر غطاء الذهب للأموال النقدية.

ولا يعني هذا مثالية “بيتكوين” بشكلها الحالي. وفي الواقع لا يتفق الكثير من خبراء الاقتصاد مع قاعدة ثبات حجم العرض من “بيتكوين”، ويرى قانونيون أن التنظيم من خلال التعليمات البرمجية فقط لا يضمن المرونة ولا يسمح بدور السلطات التقديرية. لكن ما لا يُمكن الاختلاف حوله هو جدوى “بيتكوين” وإسناد قيمة اقتصادية حقيقية إليها، وتُثير فرص توسيع استخدام “بلوك تشين” الاهتمام والمخاوف في آنٍ واحد.

ويفوق حماس المستثمرين في قطاع التكنولوجيا المالية التطور الحاصل، وأحيانًا يُطلق على قواعد بيانات عادية اسم “بلوك تشين” في محاولة للاستفادة من رواجها وتنامي الاهتمام بها. ويُشبه ذلك مسار الإنترنت، وقبله سعت شركات للاتصالات والكابل لتقديم وسائط متعددة تفاعلية، لكن لم تُحرز أيٌ منها النجاح الكافي للاستمرار، وهو ما قد يتكرر مع “بلوك تشين”. ويجمع المشهد الراهن بين مؤسسات مالية قديمة تُجري تحسينات تدريجية وشركات ناشئة جديدة تستثمر التطور الجديد، وتأمل أن تنجح في ترسيخ أقدامها قبل التغيرات التالية.

ويفوق الإقبال على الاستثمار في مجال التعاملات الرقمية ما شهدته المراحل الأولى من تطور الإنترنت، وهو ما يُشكل فارقًا جوهريًا بينهما. ومر تطور الإنترنت بعقودٍ من الغموض والتشكك وخلالها عمل الباحثون الأكاديميون على التجريب وإعادة النظر في تصميم الشبكة دون الاهتمام بالأغراض التجارية. وفي الوقت الراهن يبذل باحثون أكاديميون ومبادرات جهودًا لتطوير تكنولوجيا العملات الرقمية بعيدًا عن المصالح المالية.

ويرتبط التعقيد البالع في النظام المالي الحالي بالكثير من المخاطر، ولذلك فسيكون نظام مالي جديد وغير مركزي يعتمد على العملات الرقمية أبسط، ويحد من دور طبقات الوساطة ويقي من بعض المخاطر. كما أن الطرق المختلفة لتداول الأموال ستسمح بأنواعٍ مختلفة من المنتجات المالية، وستُقلل من القيود وتُتيح قدرً أكبر من المنافسة.

وستتمكن المؤسسات التنظيمية من إعادة تخطيط النظام المالي لتحقيق أهداف السياسات دون الانتقاص من فعالية القواعد، وستُخفف معاناة المستخدمين ومؤسسات التنظيم من إشكاليات النظام المالي القائم. وخلصت أبحاث إلى أن زيادة الشفافية ستُقلل الوساطة والتكاليف.

وكما هو الحال مع مختلف التقنيات تتغير الاستعمالات وقيم المستخدمين بمضي الوقت ونضج التكنولوجيا. وظهرت “بيتكوين” للمرة الأولى كاستجابة للأزمة المالية في عام 2008، وكان لدى مجتمعها الأولى ميول تحررية ومعارضة لسلطة المؤسسات التقليدية واتجاه لتجنب الانتفاع التجاري على غرار ثقافة البرمجيات الحرة.

لكن وكما صار “لينكس” جزءًا أساسيًا من جميع التطبيقات التجارية تقريبًا، قد تتحول “بلوك تشين” إلى خدمة ذات رسوم تُقدمها حكومات وشركات كبيرة ومصارف مركزية. وربما يُماثل تأثير “بلوك تشين” على النظام المالي التغيير الذي أحدثه الإنترنت في الإعلام وشركات الإعلان.

وفي ضوء التغير المرتقب وإعادة هيكلة جزء أساسي من الاقتصاد تُواجه المؤسسات المالية والشركات تحديًا كبيرًا، ويتطلب الاستعداد له الاستثمار في الأبحاث والتجريب لدعم فرصها  في الاستمرار والازدهار في النظام المالي الناشئ.

المصدر

الصورة