ما هي أسباب ازدهار سوق العمل الألماني؟

بينما تُعاني أوروبا من ارتفاع معدلات البطالة وتباطؤ النمو، يزدهر سوق العمل في ألمانيا. وخلال العقد الماضي تراجعت أعداد العاطلين بمقدار النصف، وانخفض معدل البطالة إلى 5.9%، واقتربت صادرات البلاد من 1.3 تريليون دولار في 2016، ما يُشكل نحو نصف الناتج المحلي الإجمالي للبلاد و9% من صادرات العالم. وتتمتع البلاد بأداءٍ اقتصادي جيد حتى مع استضافتها أكثر من مليون لاجئ. وللعام الثالث على التوالي تُحقق ميزانية البلاد فائضًا.

ولم تمر فترة طويلة على فترة وُصفت فيها ألمانيا برجل أوروبا المريض. وفي نهاية التسعينيات ومطلع الألفية الجديدة شهدت البلاد معدل نمو أبطأ من البلدان الأوروبية الأخرى، كما ارتفعت نسبة البطالة. وانتقد مُحللون مؤسسات العمل لافتقارها إلى المرونة، وحينها بدأت منافسة أسواق العمالة الرخيصة من وسط أوروبا وشرقها وآسيا.

والآن تختلف الصورة كليًا، وتحتل ألمانيا المرتبة الرابعة من ناحية حجم الناتج المحلي الإجمالي بعد الولايات المتحدة والصين واليابان. ولفترة طويلة أرجع باحثون تحول ألمانيا إلى قوة اقتصادية مُؤثرة إلى سوق العمل الاتحادي وإصلاحات الرعاية الاجتماعية بدايةً من عام 2003، لكن دراسة نُشرت في “مجلة المنظورات الاقتصادية” قبل ثلاثة أعوام خلصت إلى أن السياسة الحكومية لم تُسهِم سوى بالقليل في هذا التحول.

وبينت الدراسة استمرار تحسن المركز التنافسي لألمانيا مُقارنةً بشركائها التجاريين البارزين في أوروبا منذ عام 1995؛ نظرًا لأن الأجور نمت بمعدل أبطأ من الإنتاجية. ويعود ذلك إلى مستوى غير مسبوق من اللامركزية في التفاوض على أجور الموظفين في ألمانيا خلال التسعينيات، ما أدى إلى تراجع تكاليف العمالة وزيادة القدرة التنافسية.

وأثارت إصلاحات “هارتز”، التي أطلقتها حكومة المستشار جيرهارد شرودر في عام 2003، الكثير من الجدل. وقللت من إعانات البطالة ووضعت حدًا ماليًا لها بهدف تحفيز المواطنين على البحث عن فرص عمل، كما أتاحت قسائم تسمح لمتلقي الإعانات باختيار مُقدمي التدريب المهني، وحولت وكالات التوظيف المحلية والفيدرالية إلى جهات لتقديم الخدمات. وأثمر اعتماد أساليب إدارية جديدة زيادة الكفاءة والتركيز على النتائج.

لكن الإصلاحات الحكومية لم تُحدِث أبدًا التغييرات المؤسسية في تحديد الأجور، ولا يُمكنها ذلك. وفي ألمانيا تجري مفاوضات الأجور بعيدًا عن التدخل المُباشر للحكومة، وهو مبدأ يقره الدستور الألماني، ويختلف عن أغلب البلدان الغربية. وتتولى نقابات العمال ومجالس العمل، التي تُكمل عمل الاتحادات وتُمثل العمال على مستوى الشركات، بالتعاون مع جميعات أصحاب الأعمال تحديد الأجور وساعات العمل وظروفه. ولا يجري التفاوض الجماعي على الأجور ضمن الشركات بل يشمل إقليمًا أو قطاعًا بعينه.

وخلال العقد التاسع من القرن العشرين تباين استخدام الشركات والعمال لنظام تحديد الأجور، ما قاد إلى قدرٍ استثنائي من اللامركزية. ومثلًا صار بإمكان الشركات الألمانية العدول عن اتفاقاتها ضمن ما يُطلق عليه شروط الانفتاح أو المشقة شريطة موافقة ممثلي العمال من البدء، كما تمكنت الشركات من الانسحاب من اتفاقاتها مع النقابات لاحقًا. وبعد عام 1995 اسُتخدمت شروط المتاعب أكثر من ذي قبل، وتراجعت كثيرًا التغطية النقابية للعمال.

وللوهلة الأولى يبدو من الغريب موافقة النقابات العمالية، التي يُفترض تمثيلها مصالح العمال، على شروط تسمح لأرباب الأعمال بتقليص ساعات العمل والحد من زيادة الأجور وتخفيضها أحيانًا. ويرتبط التفسير بالوضع التاريخي الفريد للاقتصاد الألماني آنذاك.

وبعد سقوط جدار برلين عام 1989 أثقلت تكاليف التوحيد كاهل الاقتصاد، وقادت إلى أداءٍ بالغ السوء للاقتصاد الكلي. وفي الوقت نفسه سمحت الظروف الجديدة بدخول عمالة رخيصة من بلدان شرق أوروبا. وغيّرت هذه العوامل توازن القوى بين اتحادات الموظفين وتجمعات أصحاب الشركات، وأُجبرت النقابات على التعامل مع المتغيرات بمرونة فاقت التوقعات. وآتت هذه المرونة ثمارها. ومنذ عام 1995 تحسن باطراد الموقف التنافسي لألمانيا، في مُقابل تراجع شركائها الرئيسيين في أوروبا مثل أسبانيا أو إيطاليا، وثبات مستوى البعض مثل فرنسا.

وارتفعت القدرة التنافسية لقطاع تجارة المصنوعات الذي يُشكل 80% من الصادرات الألمانية؛ بفضل تنامي اعتماد الشركات على العمالة المحلية التي تراجعت أجورها الحقيقية ابتداءً من منتصف التسعينيات. وجاء انخفاض الأجور كنتيجةٍ مُباشرة لتنازلات قدمها العمال للشركات ردًا على تحديات المنافسة الجديدة.

وعلاوةً على ذلك، تخطى ارتفاع معدل الإنتاجية زيادة الأجور. وخلص البحث إلى الدور المهم لتغير التعاقدات بين الشركات والعمال في تحسين الإمكانات التنافسية للصناعة الألمانية، في حين لعبت السياسات الحكومية دورًا محدودًا في تقييد الأجور. ومن المُحتمل أن إصلاحات “هارتز” أسهمت في تراجع نسب البطالة في ألمانيا على المدى الطويل، لكن تأثيرها أقل مما يعتقده كثيرون. وانصبت أساسًا على تقديم حوافز للبحث عن عمل.

ومن المهم الالتفات إلى تجربة سوق العمل الألماني لسببين: الأول: الحديث عن سعي دول أوروبية لمحاكاة إصلاحات “هارتز”. وقد يكون لهذه الخطوات نتائج عكسية؛ إذ جاءت هذه الإصلاحات في ألمانيا بعد مُضي عقد تقريبًا على بدء اللامركزية في تحديد الأجور وزيادة التنافسية. ولا ترجع قوة سوق العمل الألمانية إلى قوة السياسات الحكومية، بل إلى غيابها. ودون استقلال التفاوض على الأجور ربما لم تكن السياسات ستنجح في بلوغ هذا المستوى من المرونة.

والسبب الثاني: ضرورة فهم قوة نظام العلاقات غير المركزي بين الإدارة والموظفين في ألمانيا. وأدى ارتفاع تفاوت الأجور إلى جدالٍ حاد حول تداعياته على العدالة الاجتماعية. وفي الوقت الحاضر يُمثل “النمو الشامل” أولوية للبرامج السياسية في ألمانيا وبلدان أخرى. وفي عام 2015 أقرت الحكومة الألمانية تشريعًا بالحد الأدنى من الأجور.

وفي ظل زيادة تدخل الحكومة لتنظيم العمل والأجور، ربما تتضرر مرونة نظام العلاقات بين العمال وأصحاب الأعمال في ألمانيا التي قادت إلى مكاسب كبيرة في التنافسية ووضعت أساسًا لازدهار سوق العمل اليوم.

المصدر

الصورة