لماذا تفشل مشروعات الابتكار؟

كثيرًا ما يكون مصير مشروعات الابتكار فشلًا هادئًا يُناقض الآمال العريضة التي صاحبت بدايتها، وهو أمر يتكرر في القطاعين العام والخاص ولا تسلم منه مؤسسات عملاقة. ولا ترجع المشكلة إلى نقص الأفكار الجيدة أو الدراسة المتأنية لفرص نجاحها أو تقاعس القيادات عن دعم الابتكار، بل تحدث غالبًا في مرحلة تحول المشروع من فريق الأبحاث والتطوير إلى القسم المعني بالتنفيذ داخل المؤسسة.

وفي بعض الأحيان يغيب التواصل الكافي بين فريق الابتكار وبقية الأقسام، وقد لا تُساعد فرق الابتكار في عملية إطلاق المنتج أو الخدمة إلى السوق، وربما لا تُخصَص الموارد اللازمة لمرحلة التوسع، أو تتأخر القيادة في ضمان اهتمام الأقسام بمبادرات الابتكار. (اقرأ أيضًا: الأفكار الجيدة وحدها لا تضمن نجاح الابتكار)

وفي دراسة حديثة، اعتمدت على آراء 164 من المسؤولين التنفيذيين في شركات تتجاوز عائداتها مليار دولار، قال 26% من المشاركين أن نقل المشروعات من فريق الابتكار إلى الوحدة المعنية يتطلب عملًا جديًا، ووصف 16% من المشاركين هذه المرحلة بالمخيفة، لافتين إلى تسببها في ذبول الكثير من المشروعات.

ويكمن جزءٌ من الحل في ضمان مشاركة أقسام المؤسسات كالإنتاج والتسويق والتكنولوجيا في الابتكار. وفي الكثير من المؤسسات يدعم كبار المسؤولين مبادرات الابتكار بعيدًا عن تفاعل مديري الأقسام المختلفة، وبالتالي تصير المبادرات أشبه بأقمار اصطناعية تدور في مدارات بعيدة وتتصل بكبار المسؤولين بشكلٍ مُتقطع. وبالتأكيد من المهم أن يتوافر لدى أقسام الابتكار والأبحاث والتطوير حرية استكشاف الأفكار والتقنيات الجديدة، لكن مشاركة الأقسام يضمن عدم انحراف الابتكارات من احتياجات الواقع ونجاحها من الناحية التجارية.

ومن بين طرق دمج الطرفين دعوة مختلف الأقسام إلى اقتراح موضوعات ومشكلات تبحث فيها فرق الابتكار والأبحاث والتطوير، ومشاركتها في تمويل مساعي الابتكار ما يجعل لهم نصيبًا من المخاطرة ويزيد حرصهم على النجاح.

ويُشار إلى أن زيادة مشاركة وحدات المؤسسات عن الحد المناسب قد يقود إلى التخلي عن ابتكارات مؤثرة، والاكتفاء بتحسينات تدريجية يُمكن طرحها في الأسواق وظهور تأثيرها على النتائج المالية سريعًا. ولذلك يتعين على المؤسسات الموازنة بين عدم تقييد الإبداع من جانب، وحث فرق الابتكار على الاهتمام بحلول واقعية من جانبٍ آخر.

ومثلًا نقلت شركة “كلوركس” الأمريكية للمنتجات الاستهلاكية مهام الابتكار إلى أقسامها خلال السنوات الخمس الماضية، ويُقدم فريق مركزي التدريب وتُشكِّل كل علامة تجارية فريق ابتكار يجمع متخصصين في التسويق والأبحاث والتطوير.

ويُطلق على هذا الشكل “الابتكار المتشابك”، ويعني اندماج اهتمامات أقسام المؤسسة واحتياجاتها ضمن المهام الأساسية لفريق الابتكار أو الموظفين المكلفين بالبحث عن فرص جديدة للنمو.

وعلى العكس منه “الابتكار المعزول” حيث تتشكل فرق من الباحثين البارزين تتمتع بقدرٍ كبير من الاستقلال، ولا تلتزم بالقواعد البيروقراطية المألوفة، كما لا تتواصل كثيرًا مع بقية الأقسام، وتسعى إلى ابتكارات تُحدِث تحولات جذرية. ويُعد قسم “إكس” في “جوجل” مثالًا جيدًا لهذا النوع من الابتكار. وكثيرًا ما يُطلق على هذه المشروعات وصف “سكونك ووركس” skunkworks نسبةً إلى مشروع شهير نفذته بهذا الأسلوب شركة “لوكهيد” للصناعات العسكرية استهدف تطوير طائرات مقاتلة خلال الحرب العالمية الثانية.

ويتطلب نجاح الابتكار المتشابك نقل بعض الموظفين من أقسام متنوعة إلى فريق الابتكار لتقديم خبراتهم أو المساعدة في عرض المنتجات والخدمات الجديدة على مستهلكين لتجربتها وإبداء آرائهم. وقد تلجأ بعض المؤسسات إلى العكس، أي دمج بعض أعضاء فريق الابتكار في الأقسام المسؤولة عن تنفيذ المشروعات الجديدة للاستفادة من درايتهم بالمشروع وشغفهم به.

وتُعد مرحلة انتقال المشروع من قسم الابتكار إلى التنفيذ الحلقة الأضعف والأكثر عرضة للخطر، وتُعتبر بمثابة الثقب الأسود للابتكارات بغض النظر عن الموارد المخصصة للتوظيف والتدريب وتوفير التكنولوجيا ومختبرات الابتكار الأنيقة، وكثيرًا ما تتسبب في إهدار ابتكارات قيّمة. وينبغي أثناءها مراعاة عدة نقاط مثل: اهتمام القيادات بمتابعة تحقيق المشروع لأهدافه، واستمرار فريق الابتكار في تقديم الدعم، وكذلك توسيع آلية تقييم الأقسام لتشمل إلى جانب الإيرادات مدى نجاحها أو إخفاقها في مواصلة العمل على المشروعات المبتكرة.

ويعتمد عمل المبتكرين على الاكتشاف وتطوير الأفكار الجديدة، في حين تهتم الأقسام العملية ببلوغ أهداف محددة وتحسين الكفاءة. وعلى الرغم من تباين دوافع الجانبين، إلا أن الوقت قد حان للإقرار بحاجة كل منهما إلى الآخر من أجل النجاح، وواجب القيادات في تعزيز التواصل بينهما إذا رغبوا حقًا في ابتكارات يتجاوز تأثيرها الحماس والوعود المُبكرة.

المصدر

الصورة

إضافة تعليق على المقاله