كيف تُؤثر الهجرة الدولية على النمو الاقتصادي؟

لا تتسبب الهجرة الدولية فقط في ارتفاع عدد السكان في البلد المقصود، لكنها أيضًا تزيد التنوع السكاني والثقافي فيه، وخصوصًا حين ينتمي المهاجرون إلى بلدان بعيدة ومختلفة. وبحسب “تقرير الهجرة الدولية” بلغ عدد المهاجرين الدوليين 244 مليون شخص في عام 2015 بزيادة واضحة عن 222 مليون مهاجر قبل خمسة أعوام، و173 مليون مهاجر في مطلع القرن الحادي والعشرين.

وفي ظل تنامي الهجرة وما يتبعها من زيادة التنوع الثقافي، ليس من الغريب أن تتحول الهجرة وتداعياتها الاقتصادية إلى قضية مهمة في الأوساط السياسية. ويختلف الباحثون في تقدير الفوائد الاقتصادية للتنوع الثقافي مُقارنةً بتكاليفه.

وتوصلت بعض الدراسات إلى تسبب التنوع الثقافي في إضعاف الثقة والتماسك الاجتماعي داخل المجتمعات، كما قد يُؤدي غياب التجانس في أماكن العمل إلى مشكلات في التنسيق والتواصل بسبب الحواجز اللغوية والثقافية. ويعني ذلك ارتباط المستويات العالية من التنوع الثقافي بانخفاض الإنتاجية، وبالتالي الحد من كفاءة الاقتصاد. (اقرأ أيضًا: التنوع في بيئة العمل سبيل لدعم الابتكار)

وفي الوقت نفسه، يُغذي تنوع الأعراف المجتمعية والعادات والأخلاقيات الابتكار، وينشر الأفكار الجديدة، ويُثمر بضائع وخدمات أكثر تنوعًا. وعلى مستوى فرق العمل ربما يُؤدي التنوع إلى تضافر سمات متباينة تُكمل بعضها بعضًا، ما يعني مجموعة أكثر ثراءً من التجارب والخبرات ووجهات النظر تعود بالنفع على المؤسسات.

تقرير الهجرة الدولية 2015 من الأمم المتحدة

بحسب “تقرير الهجرة الدولية” لعام 2015 بلغ عدد المهاجرين الدوليين 244 مليون شخص، ويعرض الرسم توزيعهم بين القارات ويُشير اللون البرتقالي إلى أعداد المهاجرين الذي ينتمون أصلًا إلى القارة، بينما يعني اللون الأخضر عدد المهاجرين الذين يعيشون فيها (انقر على الصورة لمشاهدة أوضح)

أما على مستوى الدول، سعت دراسة حديثة بعنوان “الهجرة والتنوع والنمو الاقتصادي” إلى البحث في تأثير التنوع الناشئ عن الهجرة على النمو الاقتصادي للدول. واعتمدت على مجموعة بيانات موسعة حول الهجرة الدولية في الفترة من 1960 إلى 2010، واستخدمت معلومات حول جنسية المهاجرين لوضع مؤشرات حول تنوع بلدان الميلاد.

وقيّمت الدراسة في كل دولة تغير مستوى التجزؤ أو الانقسام، ويعني احتمال أن يكون أي شخصين يجري اختيارهما عشوائيًا قد ولدا في بلدين مختلفين. ويُشير ارتفاع مستوى التجزؤ إلى زيادة التنوع. كما حسب الباحثون مؤشر الاستقطاب أو إلى أي مدى يتألف سكان دولة ما من مجموعتين متساويتين في الحجم.

ومثلًا شملت البلدان الأعلى في مُؤشر التجزؤ في عام 2010 الكويت والسعودية وسنغافورة، وكان أقلها الصين وإندونيسيا والفلبين والصومال. وكان البلدان الأكثر استقطابًا لوكسمبورج وسنغافورة وأغلب دول شبه الجزيرة العربية مثل البحرين وعُمان، بينما كانت أقلها الصين إندونيسيا وليسوتو والصومال.

ونظرًا لأن البلدان التي تتمتع بنمو اقتصادي قوي تجتذب أعدادًا أكبر وأكثر تنوعًا من المهاجرين، واجه فريق البحث صعوبة في تحديد ما إذا كان المهاجرون وتنوع المجتمع سببًا للنمو الاقتصادي أم نتيجة له. واستبعدت الدراسة عوامل يصعب قياسها كميًا مثل سياسات الهجرة؛ فمن المُرجح أن ترتبط سياسة الباب المفتوح نحو المهاجرين بأداء اقتصادي جيد وارتفاع مستويات التنوع.

ولمواجهة هذا التحدي وضع الباحثون مؤشرات للتنوع تعتمد على متغيرات مثل البعد الجغرافي والتاريخ الاستعماري ووجود لغة مشتركة بين البلدان التي ينتمي إليها المهاجرون وتللك التي يقصدونها، وسمحت هذه الطريقة بتأليف مؤشرات للتنوع تقوم على سمات خارجية لا ترتبط بالنمو الاقتصادي، كما لا ترتبط بظروف محلية في كل بلد مثل الموقف من المهاجرين. وبذلك استبعدت الدراسة التأثير السببي للتنوع والعوامل التي لم يشملها البحث.

وخلصت النتائج إلى التأثير الإيجابي الواضح لغياب التجانس الثقافي، عند قياسه بالتجزؤ أو الاستقطاب، على مُعدل نمو الناتج المحلي الإجمالي على امتداد فترات زمنية طويلة. وعلى سبيل المثال ارتفعت نسبة التجزؤ بعشر نقاط مئوية بين عاميّ 1960 و2010، وفي نفس الفترة ارتفعت نسبة نمو نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنحو 2.1 نقطة على مستوى العالم.

ويختلف تأثير التنوع الثقافي بحسب مراحل التنمية. وتُقبل البلدان الأكثر ثراءً على التطورات التكنولوجية بمعدل أسرع من البلدان الأفقر، وبالتالي ترتفع مهارات ومعارف القوى العاملة فيها بسرعة أكبر. ويعني ذلك أنه كلما زاد تقدم الدول التي تجتذب المهاجرين، كلما تراجع تأثرها اقتصاديًا بالهجرة.

وقسَّم فريق البحث البلدان إلى اقتصادات نامية ومتقدمة، وبينت النتائج ارتفاع احتمالات أن تشهد الاقتصادات النامية زيادة أكبر في معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي بفضل تنوع السكان. ومع ارتفاع مؤشر الاستقطاب بنسبة 10% خلال الفترة من 1960 إلى 2010 زاد نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في الدول النامية بنحو 2.8%، أي أعلى بنسبة 0.7% من المتوسط العالمي. ويعني ذلك تفوق الاقتصادات النامية على المتقدمة في الاستفادة من التنوع الثقافي، وضعف تأثير التنوع على البلدان ذات الاقتصادات المتقدمة.

وتخضع نتائج الدراسة لعدة قيود بسبب تركيزها على جنسية المهاجرين دون التطرق إلى تأثير مظاهر أخرى للتنوع في العرق واللغة والجنس والدين والتعليم، بالإضافة إلى بحثها في تأثير زيادة الهجرة على الدول دون المؤسسات.

وعمومًا استدل البحث على التأثير النافع للتنوع المدفوع بالهجرة على النمو الاقتصادي. ما يُشير إلى إمكانية استفادة الساسة ومديري المؤسسات من الفوائد الكبيرة للهجرة عن طريق الانفتاح على عمالة متنوعة واستثمار تباين مهاراتها وابتكاراتها وثقافاتها.

المصدر

الصور: 1 2

إضافة تعليق على المقاله