كيف يُحارب الابتكار المُقتَصِد تفاوت الدخل؟

في الوقت الحاضر يُمثل انعدام المساواة ظاهرة لافتة على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ويمتلك 1% من سكان العالم 35% من الثروات الخاصة، وتفوق ممتلكاتهم نصيب 95% من البشر. ولا تبدو هذه الأزمة في سبيلها للحل قريبًا، ويتطلب التصدي لتفاوت الدخل استراتيجيات متعددة منها ابتكار حلول بسيطة وميسورة التكلفة تُحدِث فارقًا حقيقيًا في حياة الأغلبية.

ومن بين أبرز مقاييس العدالة وانعدام المساواة في الدخول “معامل جيني” الذي يُقدم قياسًا يتراوح بين الصفر والواحد، ويعني الصفر مستوى مثالي من المساواة بتوافر نفس مستوى الدخل لجميع الأفراد، بينما يُعبر رقم واحد عن أقصى قدر من التفاوت.

وفي منتصف الثمانينيات بلغ “معامل جيني” في الدول الأعضاء في “منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية” 0.28، وارتفع إلى 0.31 في نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. وتتجلى عدم المساواة على الصعيد العالمي في الفقر المُدقع الذي يُعاني منه نحو أربعة مليارات شخص أي أكثر من نصف البشر، كما تظهر بمستويات متباينة داخل كل بلد.

وعلاوةً على ذلك، يتضح عدم المساواة في العرض والطلب. وعلى جانب الطلب يُستبَعد كثيرون من جني ثمار المعاملات الاقتصادية؛ بسبب افتقارهم إلى الرعاية الصحية الأساسية والتعليم والأطعمة المغذية والطاقة النظيفة. وترتبط هذه المشكلة أساسًا بالدول النامية، وإن كان نطاقها يتسع في الدول المتقدمة أيضًا.

وعلى جانب العرض، يتسبب عجز كثيرين عن الحصول على وظائف في قطاعات عالية القيمة تعتمد على التكنولوجيا المتقدمة في إقصاءهم من العملية الاقتصادية. وتظهر هذه المشكلة تحديدًا في البلدان المتقدمة وبعض البلدان النامية حيث ألغت العولمة والتكنولوجيا الكثير من الوظائف في قطاع التصنيع.

ويُمثل “الابتكار المُقتَصِد” Frugal Innovation سلاحًا مهمًا في الحرب الجارية ضد عدم المساواة في الدخل، ويعني استخدام البراعة البشرية في ابتكار حلول وتقنيات أسرع وأفضل وأقل تكلفة وبالاعتماد على موارد محدودة، تُلائم جماهير واسعة وتُلبي احتياجاتهم في مجالات حيوية مثل الخدمات المالية والصحة والتعليم والطاقة، ويستعين في بعض الأحيان بالتقنيات المتطورة وفي أحيان أخرى يستخدم أفكار بسيطة دون تكنولوجيا معقدة.

وفي الفيديو التالي يتحدث نافي رادجو، الباحث والمستشار في الابتكار والقيادة المهتم بموضوع “الابتكار المُقتَصِد”، ويُمكن الإطلاع على الترجمة العربية في موقع “تيد”:

وبمقدور الابتكار المُقتصِد معالجة التفاوت في جانبيّ العرض والطلب. وفيما يخص الطلب على السلع والخدمات، يعِد بتوفير خدمات ميسورة التكلفة في التعليم والرعاية الصحية، وهو ما يحدث بالفعل في أنحاءٍ مختلفة من آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.

وفي الهند أتاحت هذه الحلول خدمات الرعاية الصحية مجانًا أو بتكلفة معقولة لكثيرين في تخصصات مثل جراحة القلب والأطراف الصناعية وعمليات المياه البيضاء على العين. ونجح جراح القلب الهندي ديفي شيتي في توظيف مبادئ طبية وإدارية لتقليل تكاليف جراحة القلب إلى 1200 دولار مع المحافظة على المعايير العالمية للجودة، ويسعى إلى تخفيضها لتصل إلى 800 دولار.

وفي أفريقيا قدمت ثورة الاتصالات جيلًا جديدًا من الحلول ميسورة التكلفة في قطاعات رئيسية مثل الخدمات المالية، ومنها خدمة “إم-بيسا” في كينيا التي تُتيح تحويل الأموال واستقبالها عبر الرسائل النصية القصيرة للهواتف المحمولة العادية، وأطلقت لأكثر من 25 مليون كيني فرصًا لتحسين الإنتاجية والدخل ومواجهة الصعوبات الاقتصادية. (اقرأ أيضًا: الخدمات المالية عبر المحمول تُسهِم في التخفيف من الفقر)

وأسهمت خدمات الدفع عبر المحمول في ابتكارات أخرى مثل توفير الكهرباء عبر الطاقة الشمسية لآلاف السكان ممن يفتقرون إلى تغطية شبكات الكهرباء الرسمية. (لمزيد من التفاصيل: الطاقة الشمسية والعمل خارج الشبكات الوطنية لحل أزمة الكهرباء في أفريقيا)

وهناك حلول مُشابهة في مجالات متنوعة مثل النقل والصرف الصحي والهواتف والإلكترونيات الاستهلاكية وابتكار أجهزة طبية ومواقد نظيفة للطهي. ومن المُتوقع أن يُساعد الابتكار المُقتَصِد في دفع النمو في آسيا وأفريقيا وإنقاذ الملايين من براثن الفقر المدقع خلال العقود المُقبلة.

ولا يقتصر دور الابتكار المُقتَصِد على تقديم سلع وخدمات ميسورة التكلفة، بل يُسهِم بدور فعّال في توفير فرص عمل. وصارت ريادة الأعمال دافعًا رئيسيًا للنمو سواءً من ناحية الناتج الاقتصادي أو التوظيف. ولم يُعد التقدم لوظائف الشركات الخيار الوحيد أمام الشباب؛ إذ بات باستطاعة فرق صغيرة تأسيس مشروعات تُوفر فرص عمل لآخرين. (اقرأ أيضًا عن دور ريادة الأعمال في علاج أزمات سياسية واقتصادية)

طابعة ثلاثية الأبعاد

تدعم الطباعة ثلاثية الأبعاد وتقنيات أخرى التصنيع وابتكار حلول رخيصة التكلفة لمشكلات مجتمعية

ويستفيد المبتكرون من تقنيات مثل الحواسيب الرخيصة وأجهزة الاستشعار والهواتف الذكية والطابعات ثلاثية الأبعاد في إعداد نماذج أولية لمخترعاتهم بطرق ظلت حتى فترة قريبة حكرًا على الشركات الكبيرة والمختبرات الحكومية.

وأنعش ذلك مساحات عمل مشتركة يلتقي فيها المخترعون والمهتمون بالتصنيع وحتى الحرف اليدوية، ويتبادلون الأفكار والموارد لتحسين اختراعاتهم وحل مشكلات مجتمعاتهم، ويُطلق عليها “مساحة الصانع” أو Maker Space أو FabLab. وأثمرت بالفعل ابتكارات نافعة وناجحة، وربما تتحول في المستقبل إلى مصانع محلية عاالية التقنية ومستدامة، وتُثمر قيمة اقتصادية مرتفعة وفرص عمل، ولاسيما مع انحسار الوظائف في قطاع التصنيع في كثير من الدول بسبب اللجوء لعمالة خارجية رخيصة والتشغيل الآلي.

ومثلما تُساعد التكنولوجيا في المراحل المبكرة للابتكار تُفيد في المراحل اللاحقة ومحاولات الانتفاع التجاري والتوسع في السوق؛ فبمقدور رواد الأعمال اللجوء إلى مواقع التمويل الجماعي لتأمين رأس المال اللازم، والاعتماد على مصانع خارجية في الإنتاج، واستثمار الإنترنت ومواقع الإعلام الاجتماعي والتجارة الإلكترونية في التوزيع والتسويق.

وفي حين تتعثر محاولات الساسة في مواجهة تفاوت الدخل وتداعياته الخطيرة على المجتمعات، يقود الابتكار المُقتَصِد ثورة حقيقية. وينبغي على الحكومات التخلي عن دور المتفرج، والتحول إلى الاهتمام الصادق بالابتكار الذي قد يُنقد المجتمعات والاقتصادات.

المصدر

الصور: 1 2

 

إضافة تعليق على المقاله