مستشفى بوسطن للأطفال يؤسس مُسرِّعة للابتكار والصحة الرقمية

بفضل تخصصهم وتراكم خبراتهم تتوافر لدى الأطباء وفرق التمريض والعاملين في مجال الرعاية الصحية فرص أكبر من غيرهم لتقديم ابتكارات يُمكنها تحسين رعاية المرضى وتقليل التكاليف. ومع إيمان الكثير منهم بدور التكنولوجيا الرقمية، ليس من السهل تحولهم إلى ريادة الأعمال؛ بسبب وقتهم المحدود وأعباء العمل، وفي كثيرٍ من الأحيان تعوزهم الخبرات اللازمة لتحويل أفكارهم المبتكرة إلى منتجات ناجحة.

ولذلك أسس مستشفى بوسطن للأطفال “مُسرّعة الابتكار والصحة الرقمية” Innovation & Digital Health Accelerator لدعم الأفكار المبتكرة بالتوجيه والتمويل. ومنذ انطلاقها مطلع عام 2016 تعاونت مع أكثر من ثلاثمائة من الأطباء والباحثين والإداريين في أكثر من خمسة وعشرين قسمًا طبيًا، ودعمت تسعة مشروعات تحولت ثلاثة منها إلى شركات ناشئة جذبت استثمارات تجاوزت مليوني دولار.

وفي البداية بحث “مستشفى بوسطن للأطفال” التعاون مع عددٍ من مُسرّعات الأعمال القائمة تتنوع بين العامة والمتخصصة في الرعاية الصحية، لكن لم تُلائم أي منها دعم الابتكار بين الأطباء لعدة أسباب منها:

  1. اهتمام أغلب مُسرّعات الأعمال بالشركات الناشئة أكثر من المشروعات التي لا تزال في مراحلها الأولى.
  2. تعارض أساليب عملها مع انشغال الأطباء بمهامهم اليومية. وعلى الرغم من تقدم الأطباء للحصول على منح مالية لدعم ابتكاراتهم، إلا أن أغلبهم لا يُخطط لترك وظيفته والتفرغ كليًا لريادة الأعمال.
  3. عجز الكثير من مُسرّعات الأعمال عن دعم مشروعات متنوعة مثل تطبيقات الهواتف والخوارزميات.
  4. افتقار مُسرّعات الأعمال إلى إمكانات التوجيه والدعم خلال المراحل المختلفة من بداية الفكرة إلى تأسيس الشركات.

ولذلك قرر المستشفى تأسيس مُسرعة أتاحت تطوير الأفكار واختبارها وتطبيقها داخليًا. ومن البداية اهتمت “مُسرّعة الابتكار والصحة الرقمية” بتقديم تقييم سريع للأفكار من فريقٍ مُتعدد الكفاءات في تطوير المشروعات والتكنولوجيا الرقمية في قطاع الصحة وعلوم البيانات، ومن ثم توفير الدعم والتمويل اللازمين للمقترحات الواعدة. وأفادت سرعة التقييم والتفاعلات الوثيقة الفرق الطبية، وألهمت بعضها لإعادة النظر في الأفكار وتوجيهها إلى مسارات أكثر نفعًا.

"مُسرّعة الابتكار والصحة الرقمية" في مستشفى بوسطن للأطفال، الولايات المتحدة

تُقيّم “مُسرّعة الابتكار والصحة الرقمية” مقترحات الأطباء والعاملين وتدعم بعضها للتحول إلى شركات ناشئة أو دمجها في عمل المستشفى

وتعاونت المُسرّعة مع شبكة من الخبراء الخارجيين سمحت لها بتنويع خدماتها وسرعة تطوير الابتكارات. وفي بعض الأحيان حوّلت المقترحات إلى شركات ناشئة، وفي أحيانٍ أخرى وظفتها لتحسين طرق رعاية المرضى داخل المستشفى. ويستند نجاح المُسرّعة إلى ستة عوامل:

أولًا: ترسيخ عقلية الأعمال

بدلًا من طلبات الحصول على المنح البحثية المُعتادة في أوساط الأطباء تبنت “مُسرّعة الابتكار والصحة الرقمية” نموذجًا أقرب إلى عقد منافسات بين خطط المشروعات، وبعدما يتقدم الأطباء بأفكارهم وتصوراتهم لتنفيذها يُشاركون في دراستها من منظورٍ تجاري. وحتى عند رفض تمويل الأفكار تتحسن قدرات الأطباء على تقييم أفكارهم المستقبلية من ناحية الجدوى العملية والاقتصادية.

ثانيًا: إصدار الأحكام مُبكرًا

من أجل سرعة اختيار الأفكار وتجنب إهدار الوقت لجأت المُسرّعة إلى تنظيم جلسات أولية مُوجزة لتقييم الأفكار تستمر تسعين دقيقة، وأطلقت عليها اسم Opportunity SPRINT، تجمع الفريق الطبي صاحب الفكرة مع خبراء في استراتيجيات الأعمال والتكنولوجيا وأطباء ومتخصصين في مجال المشروع، وقد تضم بعض المرضى والآباء والأمهات.

وترتكز الجلسة الأولى على طريقة لعرض المشروعات الريادية تُعرف باسم Lean Canvas كبديلٍ عن دراسات الجدوى المُفصلة، وتتميز بعرض واضح للمشكلة والحل، والإيرادات والتكاليف، والقيمة الفريدة للمشروع، والميزات التنافسية، واتجاهات السوق والاقتصاد وغيرها من المؤشرات.

ويخلق طرح هذه النقاط مناقشةً مُثمرة تُزود الأطباء بوجهات نظر متنوعة ونصائح تُساعدهم في المضي قدمًا لتطوير أفكارهم أو تركيزها أو تغيير مسارها. ومثلًا قدم طبيبا المسالك البولية آلان ريتك ومايكل كورتز نموذجًا أوليًا لجهاز يُحسّن التدخلات الطبية لعلاج انسداد مجرى البول لدى الأجنة، وهي حالة خطيرة لا يتوافر لها علاجًا ناجعًا.

وخلصت الجلسة الأولى إلى أن السوق لن يدعم الجهاز الجديد، وانضم الفريق إلى شركة “بوسطن ساينتيفك” لتصنيع الأجهزة الطبية، وأسهم في تعديل منتجات الشركة، وتخوض حاليًا مرحلة ما قبل الاختبارات السريرية.

تطبيق StrabisPIX لطب العيون عن بُعد

من بين الأفكار التي تدعمها مُسرّعة الأعمال في مستشفى بوسطن للأطفال تطبيق StrabisPIX الذي يسمح بالرصد والتقييم عن بُعد لتطور علاج المصابين بالحول

ثالثًا: الاعتراضات البناءة

تُقدم الجلسة الأولى للمبتكرين فرصةً للتعلم وتُشجعهم على إعادة صياغة أفكارهم، وبالتالي تتحقق الاستفادة حتى عند استبعاد بعض المقترحات. وفي ظل تعدد المشكلات الطبية التي تنتظر حلولًا، تزيد فرص أن يتوصل المبتكرون إلى أفكار أكثر قابلية للاستمرار.

رابعًا: تشكيل فرق متنوعة

ربما يتفوق الأطباء في تقديم الأفكار في مجال تخصصهم، لكنهم بحاجة إلى تعاون مع كفاءات متنوعة. وحللت دراسة من “جامعة ستانفورد” الأمريكية أداء 231 شركة ناشئة مُتخصصة في الأجهزة الطبية وقيّمت إنتاجيتها بحسب حصولها على موافقات من “إدارة الأغذية والأدوية” الأمريكية، وتوصلت إلى أن أكثر الشركات إنتاجية ضمت طبيبًا واحدًا على الأقل ضمن فريق الابتكار، لكن حين وصلت نسبة الأطباء إلى 40% تراجعت الإنتاجية سريعًا.

ولذلك اهتمت مُسرّعة الأعمال في “مستشفى بوسطن للأطفال” بتأليف فرق مُتعددة التخصصات من التكنولوجيا وإدارة المشروعات تتكيف مع ظروف عمل الأطباء.

وسعى مشروع Prediction of Patient Placement أو “التنبؤ بإيداع المرضى” إلى توقع حاجة المرضى لتلقي الرعاية الطبية الطارئة استنادًا إلى تحليل البيانات السريرية، وبالتالي تحسين آلية ترتيب رعاية المرضى في غرف الطوارئ.

وجمع فريق العمل بين مديري غرفة الطوارئ ومهندسين للبرمجيات ومصمم لتجربة الاستخدام ومُصمم بصري ومدير مشروعات، وفي الوقت الراهن يستخدم قسم الطوارئ في المستشفى البرنامج لتقدير احتياجات المرضى المقيمين في المستشفى ويُفيد في تخفيض التكاليف.

خامسًا: اختيار قائد ريادي

يصعب تحديد استراتيجية واضحة لتأسيس مشروعات في مجال الرعاية الصحية بالغ التنظيم، ويستغرق تطوير تقنيات طبية جديدة وطرحها للاستخدام وقتًا طويلًا، ولا يُمكن التقليل من أهمية مختلف التخصصات والمهارات، إلا أن دور رائد الأعمال أو الرئيس التنفيذي المُؤسِس محوري للوصول بالفكرة المُبتَكرة إلى منتج أو خدمة ناجحة.

ومثلًا بدأت شركة “نيروموشن لابز” Neuromotion Labs بفكرة من الدكتور جيسون كان وأطباء في قسم الطب النفسي في مستشفى بوسطن للأطفال، واقترحوا استخدام الألعاب والأجهزة القابلة للارتداء لتعزيز القوة العاطفية للأطفال. ولاحقًا جرى اختيار كريج لوند رئيسًا تنفيذيًا لخبرته كرائد أعمال، وبدأت الشركة تسويق منتجها وهو تطبيق للحواسيب اللوحية وسوار إلكتروني مصحوبًا بدعم فريق مُدرب.

سادسًا: المنظور الواسع

حرص فريق مُسرّعة الأعمال في “مستشفى بوسطن للأطفال” على تجنب النظرة القاصرة والتركيز على داخل المستشفى فقط، وشكّل مجلسًا استشاريًا يتألف من رواد أعمال بارزين في قطاع الرعاية الصحية وأطباء ومستثمرين وشركاء لتقديم التوجيه المستمر ومنظور واسع للسوق.

يتحمل الأطباء مسؤولية كبيرة في الابتكار وتوظيف التكنولوجيا الرقمية لتطوير الرعاية الصحية، لكن لا يُمكنهم إنجاز ذلك بمفردهم؛ ويتطلب النجاح منظومة تُقدم الدعم المُلائم وتتفهم احتياجاتهم المميزة، وهو ما يصدق على مختلف المجالات التي تحتاج إلى تعزيز ابتكارات أصحاب المعرفة المتخصصة بمهارات ريادة الأعمال والإدارة والتمويل. (اقرأ أيضًا: لماذا نحتاج إلى توسيع مفهوم ريادة الأعمال؟)

المصدر

الصورة