للمرة الأولى في العالم: الصين تختبر عملة رقمية وطنية

يُخطط البنك المركزي في الصين لإصدار عملة رقمية رسمية، إلى جانب عملتها الرنمينبي، واختبارها في معاملات وهمية مع بعض المصارف التجارية في البلاد دون أن يُحدد جدولًا زمنيًا لهذه الخطوة، بحسب ما تُبين خطابات وأبحاث لمسؤولين في “بنك الشعب الصيني”.

وتعكس الخطة، حتى مع التأني الشديد للحكومة، اهتمام الصين باستكشاف التحديات التقنية واللوجيسيتة والاقتصادية المرتبطة بالعملات الرقمية، وهو أمر من شأنه أن يُؤثر تأثيرًا بالغًا على اقتصادها وعلى النظام المالي العالمي. وتُعتبر التجربة الأولى من نوعها على مستوى العالم.

وينطوي إصدار عملة رقمية رسمية بمكانة قانونية ودعمٍ من البنك المركزي على الكثير من الفوائد؛ منها تخفيض تكاليف التعاملات المالية وبالتالي إتاحة الخدمات المالية على نطاقٍ أوسع، وهو أمر تزيد أهميته في الصين حيث يفتقر ملايين الأشخاص إلى الخدمات المصرفية التقليدية.

ويسهل إدارة العملات الرقمية أكثر من العملات التقليدية، وتُسهِم في الحد من الاحتيال والتزوير، وستُتيح العملات الرقمية للحكومة الصينية مساحة أكبر للرقابة على التعاملات الرقمية التي تشهد ازدهارًا واضحًا. كما أن زيادة القدرة على تتبع التعاملات بالعملات الرقمية سيُساعد في مواجهة الفساد، وهي إحدى أولويات الحكومة الصينية.

وعلاوةً على ذلك، يُقدم استخدام العملات الرقمية بشكل رسمي للحكومة وصُناع القرار فرصةً لتشكيل فهم أعمق للوضع الاقتصادي. وأخيرًا قد تُيسر التعاملات العابرة للحدود وتزيد من استخدام الرنمينبي خارج الصين؛ نظرًا لأنه سيَسهل الحصول عليه أكثر من ذي قبل.

عملة بيتكوين الرقمية

تزايد الاهتمام بالعملات الرقمية خلال السنوات الأخيرة وخصوصًا “بيتكوين”

وخلال الأعوام الأخيرة تنامى الاهتمام بالعملات الرقمية وشهدت موجات من الاستثمار والمضاربة تركزت على عملة “بيتكوين” التي اخترعها فرد أو مجموعة مجهولة في عام 2008، وتعتمد على تكنولوجيا “بلوك تشين” التي تسمح بإدارتها في غياب أي سلطة مركزية.

ولا تُعد الصين حالةً فريدة في السعي لإصلاح عملتها ونظامها النقدي. وتُحاول الهند تقليل التعاملات المعتمدة على الأوراق النقدية للحد من التهرب الضريبي والدخل غير المشروع. وتدرس بعض المصارف المركزية، كما هو الحال في انجلترا وكندا وألمانيا وسنغافورة، إطلاق عملات رقمية رسمية. ومع ذلك، تُعد تجربة الصين للعملات الرقمية الأولى من نوعها في العالم.

ولا تخلو هذه المساعي من مخاوف عبرت عنها البنوك المركزية الأخرى، منها احتمال أن تُقوض العملات الرقمية الرسمية النظام المصرفي التجاري القائم؛ إذ ستسمح لأي شخص بامتلاك حساب لدى البنك المركزي.

ويستهدف تصميم العملة الرقمية للصين تجنب هذه المشكلة. وفي بحث نشرته “مجلة تسينجهوا المالية” الأكاديمية كتب نائب مدير قسم التكنولوجيا في “بنك الشعب الصيني”، ياو شيان، أن من المُمكن دمج العملات الرقمية في النظام المصرفي القائم، لتتولى المصارف التجارية إدارة المحافظ الرقمية التي تضم عملات البنك المركزي.

وفي حين اقترحت دولٌ أخرى اعتماد بنية “بيتكوين” وشرعت بعض من أكبر المصارف حول العالم تجربتها، اختار “بنك الشعب الصيني” تصميمًا مُختلفًا لعملته الرقمية. وكتب شيان أنه سيجري استخدام السجل المُوزع distributed ledger على نحوٍ محدود، وقد لا تُستخدم “بلوك تشين” لمعالجة جميع التعاملات؛ من أجل تجنب أعطال مُحتملة بسبب الحجم الهائل من التعاملات بعملة الرنمينبي. وربما يُستخدم السجل المُوّزع للتحقق من ملكية العملة الرقمية.

ورفض مسؤولون في بنك الشعب الصيني تقديم أية إفادات رسمية حول خطط تطوير العملة الرقمية واستخداماتها. وفي الواقع هناك ما يُبرر الخطوات الحذرة للصين في هذا الشأن؛ فحتى مع الاهتمام البالغ بالعملات الرقمية تُواجه بيتكوين مشكلات تقنية بسبب تنامي شعبيتها، ويختلف مجتمع المُطوّرين فيما بينهم بشأن اتجاهها في المستقبل، فضلًا عن التغير السريع في قيمتها خلال السنوات الأخيرة، وبلغ سعرها في الثالث والعشرين من يوينو/حزيران نحو 2750 دولار أي أكثر من ضعف قيمتها في شهر مارس/آذار الماضي.

وطُرحت عملات مُشفرة أخرى، ويتزايد الاهتمام بفرص الاستفادة من تكنولوجيا “بلوك تشين” في مجالات متنوعة تشمل إلى جانب التعاملات المالية تسجيل الملكيات والسجلات الصحية وتنظيم شبكات الكهرباء.

تطبيق "علي باي" للدفع عبر المحمول

تزدهر في الصين خدمات الدفع عبر الهواتف المحمولة والتجارة الإلكترونية عبر تطبيقات الهواتف ما يُؤهل البلاد لانطلاقة كبيرة في مجال العملات الرقمية 

ومع ذلك، يظل لإصدار البنك المركزي في الصين عملة غير مركزية أهمية كبيرة. وبحسب ما قال سيمون جونسون، الأستاذ في “كلية سلون للإدارة” في “معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا”، فإن هذا الأمر سيُقدم للصين فرصةً للحاق بالدول الأخرى في اعتماد تكنولوجيا جديدة وربما التفوق عليها. ويدرس جونسون الابتكار التقدي وعمل سابقًا كخبير اقتصادي في “صندوق النقد الدولي”.

ولفت جونسون إلى تأثير ريادة الصين لخدمات الدفع عبر الهواتف المحمولة والنقود الرقمية في دفع نموها الاقتصادي، وقال: “هناك الكثير من الابتكار في القطاع الخاص بوجود خدمات مثل (علي بابا)، كما أن الصين تضم العدد الأكبر من مستخدمي بيتكوين بقدر معرفتنا”. واعتبر أن الصين ربما تكون المركز المُلائم لانطلاق العملات الرقمية؛ نظرًا لجمعها بين التكنولوجيا المتقدمة وتحسين نظام المدفوعات وإتاحة بعض الوظائف.

المصدر

الصور: 1 2 3