السيارات ذاتية القيادة قد تُسبب مشكلات مالية للحكومات

لا ترتبط السيارات ذاتية القيادة بتحديات قانونية وتنظيمية وأخلاقية فقط، بل إن انتشارها المُتوقع خلال السنوات المُقبلة سيُؤثر مباشرةً على ميزانيات الحكومات وعائداتها؛ نظرًا لأن رسوم انتظار السيارات والتراخيص وغرامات المرور وضرائب الوقود تُشكل نسبةً غير قليلة من إيرادات الحكومات المحلية ووكالات النقل، وبالتالي قد تُواجه بعضها اضطرابات مالية.

وفي المستقبل غير البعيد ستتولى أساطيل السيارات ذاتية القيادة نقل الركاب، ما يُقلل الحاجة إلى السيارات الخاصة والعائدات التي تُحققها للحكومات. ومثلًا في مدينة أوستن في ولاية تكساس الأمريكية تُوفر رسوم انتظار السيارات ربع الميزانية الإجمالية لإدارة المواصلات. (اقرا أيضًا عن تأثير السيارات ذاتية القيادة على الاقتناء والاجتماعات وتدابير السلامة)

وأجرى موقع “جوفرنينج” Governing تحليلًا لاحتمالات تأثر ميزانيات المدن بالسيارات ذاتية القيادة، شمل خمسة وعشرين مدينة أمريكية كبيرة، وتناول إيرادات انتظار السيارات والغرامات وقضايا مخالفات المرور وضرائب الوقود وتسجيل المركبات والتراخيص وغيرها. وجمعت المدن إجمالًا نحو 5 مليار دولار خلال السنة المالية 2016، أي نحو 129 دولار مقابل كل فرد. وسيتباين تأثر الميزانيات كثيرًا من مدينة إلى أخرى.

وقد تتراجع بعض المصادر الإضافية للعائدات على المدى الطويل، ومنها الضرائب على الوقود نظرًا لاعتماد السيارات ذاتية القيادة على الكهرباء. وكذلك ستتأثر إيرادات المدن من رسوم سيارات الأجرة وتأجير السيارات.

رسوم انتظار السيارات

تُشكل رسوم انتظار السيارات ومخالفات المرور جزءًا كبيرًا من إيرادات الكثير من الحكومات المحلية ووكالات النقل

ومن ناحية أخرى ستُسهِم السيارات ذاتية القيادة في توفير النفقات مثل تقليل تكاليف تنفيذ قوانين المرور. ولا يزال من المُبكر جدًا بناء تصور شامل لتأثير المركبات ذاتية القيادة على المدن سواءً ما يخص التأثير المالي أو غيره. (طالع: ثماني رؤى حول تأثير السيارات ذاتية القيادة على المدن)

وبينما تتوقع شركات أبحاث السوق توافر السيارات المستقلة التي لا تحتاج تدخلًا بشريًا في مطلع العقد المُقبِل، سيستغرق انتشار السيارات ذاتية القيادة واتضاح تأثيرها على ميزانيات المدن وقتًا أطول، وإن كان من شبه المستحيل تجاهل تأثيرها على المدى الطويل.

وتتوقع لوي سكوت، المسؤولة المالية السابقة لولاية شيكاغو، تقديم المواصلات كحزمة خدمات في المستقبل القريب، وبمجرد انتشار استخدام السيارات ذاتية القيادة ستخسر المدن ما بين 10 إلى 15% من عائدات التشغيل. وترى أن مزج السيارات الكهربائية بالاقتصاد التشاركي سيكون له تأثير كبير على عائدات المدن.

وبحسب التحليل ستتراجع عائدات المدن مرتفعة الكثافة السكانية أكثر من غيرها؛ نظرًا لتحصيلها رسومًا أعلى مُقابل انتظار السيارات. وستزيد حدة الانخفاض في المدن التي تستخدم كاميرات لمراقبة المرور وتفرض ضرائب على مُشغلي خدمات الانتظار، وأيضًا تلك التي تحصل على عائدت مرتفعة من ضرائب الوقود ورسوم تسجيل المركبات.

توزيع لإيرادات المدن الكبيرة ذات الصلة بالمركبات

جمعت 25 مدينة أمريكية ما يقرب من خمسة مليارات دولار كعائدات متعلقة بالسيارات تتصدرها رسوم الانتظار والضرائب وقضايا المحاكم ذات الصلة بوقوف السيارات، بالإضافة إلى تراخيص المركبات وضرائب الوقود والغرامات الناتجة عن مراقبة الكاميرات

وتتمتع أغلب المدن الكبيرة بمصادر متنوعة للدخل تكفي لاستيعاب أي تضرر يُصيب الميزانية. وشمل تحليل “جوفرنينج” بيانات من العام المالي 2014 تتعلق بمجموعة من المقاطعات والبلدات والقرى، وتبين أن رسوم الانتظار والغرامات وقضايا المرور تُشكل أكثر من 10% من العائدات العامة في 74 من البلديات الصغيرة.

وغالبًا ما تكون البلدات المعتمدة على رسوم انتظار السيارات من المنتجعات السياحية التي تشهد إقبالًا كبيرًا من الزوار خلال أشهر الصيف. وبالتالي قد يكون للسيارات ذاتية القيادة تأثير واضح على الميزانية والخدمات فيها.

وستتأثر مدنٌ أخرى بفعل تراجع عائدات ضرائب الوقود والمبيعات. وعلاوةً على ذلك، يُفترض التزام السيارات ذاتية القيادة بإشارات وأنظمة المرور، الأمر الذي يعني انخفاض كبير في الغرامات والمخالفات. لكن التوفير المُتوقَع في الوقت والمال اللازمين لإتمام الإجراءات الإدارية سيتخطى الخسائر.

وحتى قبل طرح السيارات ذاتية القيادة بدأ التحول بالفعل بسبب تنامي شعبية برامج مشاركة الدراجات والسيارات وإقبال الشباب عليها. وفي كل الأحوال سيتوقف نطاق التأثير المالي للسيارات المستقلة على مسارها وطبيعة استخدامها. (كيف تُغيّر التكنولوجيا رحلات النقل اليومية؟)

وإذا انتشرت برامج مشاركة السيارات ذاتية القيادة ومُنخفضة التكلفة، قد يفضلها كثيرون على شراء سيارات خاصة، وبذلك ستخسر الحكومات رسوم التراخيص والتسجيل وضرائب المبيعات على المركبات، وهي عائدات تُقدر بملايين الدولارات.

أما إذا صارت السيارات ذاتية القيادة الخاصة خيارًا شائعًا، فستفضلها نسبةٌ كبيرة من السكان خلال الرحلات الطويلة، ما سيُفاقم ازدحام المرور ويرفع تكاليف البنية التحتية. ويتوقع البعض مزيجًا من اقتناء السيارات ذاتية القيادة ومشاركة السيارات. (اقرأ تصور آخر لتأثير المركبات ذاتية القيادة على الحياة في المدن)

ازدحام المرور

ربما يسهِم انتشار السيارات ذاتية القيادة في تخفيف ازدحام المرور من خلال الحد من اقتناء السيارات الخاصة

وبمقدور السيارات ذاتية القيادة حل مشكلة “الميل الأخير” وربط سكان المناطق البعيدة ومنخفضة الكثافة السكانية بالمواصلات العامة، كما يُمكنها الحد من تكاليف العمالة التي تستحوذ على نحو 75% من نفقات تشغيل الحافلات في أكبر أنظمة النقل الأمريكية.

وفي المُقابل، هناك مخاوف من تراجع الطلب على المواصلات العامة كُليًا. وخلصت دراسة حديثة في مدينة نيويورك إلى زيادة الإقبال على تطبيقات طلب السيارات عبر الهواتف ثلاث مرات بين ربيع 2015 وحتى خريف 2016، وخلال الفترة ذاتها تراجع الإقبال على الحافلات وقطارات الأنفاق للمرة الأولى خلال أعوام.

وفي حال اعتمدت برامج مشاركة السيارات والتطبيقات على السيارات ذاتية القيادة، ولم يعُد عليها دفع حصة مالية للسائقين، ستتمكن من تقديم خدمات النقل بتكلفة أقل كثيرًا تدفع الجمهور إلى تفضيلها على المواصلات العامة، وهو أمر سيُقلل من عائدات إدارات المواصلات. (حول نفس الموضوع: لماذا تُمثل السيارات ذاتية القيادة مستقبل أوبر؟)

وقد تتأثر ضرائب الوقود قبل غيرها؛ بسبب الاتجاه إلى السيارات الكهربائية والهجينة. وفي عام 2015 بلغت الضرائب التي فرضتها الولايات على الوقود 11 مليار دولار اتجهت للإنفاق المُباشر على البنية التحتية. كما قد تتغير أنظمة الضرائب على الملكية؛ نظرًا لأن المركبات المستقلة ستُحسِّن وسائل النقل وتزيد الإقبال على أحياء بعيدة نسبيًا تُعتبر حاليًا أقل جاذبية من غيرها.

ويرتبط هذا بمشكلةٍ أكبر؛ تتمثل في كيفية تحصيل الحكومات الرسوم مقابل المواصلات. ويعتقد البعض أن فرض رسوم مقابل الأميال التي تقطعها السيارة هو الحل المُلائم بدلًا من ضرائب الوقود. وستُيسر تكنولوجيا المركبات ذاتية القيادة حساب المسافات. وربما تلجأ بعض الحكومات لفرض ضرائب أو رسوم على خدمات السيارات ذاتية القيادة كوسيلة للتكيف مع تراجع الإيرادات، وإن كان ذلك لن يكفي لتعويض الخسائر المُنتظَرة في بعض المدن.

ولا تحمل المركبات ذاتية القيادة تأثيرًا سلبيًا تمامًا؛ فستُسهِم في توفير الموارد اللازمة لانتظار السيارات والمرور. وسيعني دورها في تخفيف الازدحام تقليل تكاليف الإنشاءات وصيانة البنى الأساسية على المدى الطويل. وقد تتحول مرائب السيارات إلى مبان تجارية وسكنية تُدر دخلًا جديدًا، وتصير المساحات الشاغرة أرصفة واسعة أو مسارات مُخصصة للدراجات ووسائل المواصلات العامة.

ويبقى من المهم أن تبدأ الحكومات الآن وليس لاحقًا البحث في سُبل التعامل مع تداعيات المركبات ذاتية القيادة، وأن تجعل المجتمع طرفًا أساسيًا في النقاش والتخطيط؛ كي تزيد استفادتها من التكنولوجيا الجديدة وتُقلل الخسائر إلى الحد الأدنى.

الصور: 1 2 3 4