العمالة البشرية الخفية وراء السيارات ذاتية القيادة

تبدو السيارات التي تقود نفسها دون تدخل بشري أقرب إلى عالم الخيال العلمي، لكن وراء ستار الفكرة “السحرية” وتطور أجهزة الاستشعار والذكاء الاصطناعي يعمل آلاف الأشخاص في تعليم أنظمة السيارات ذاتية القيادة كيفية تمييز المشاة وسائقي الدراجات والأرصفة ولافتات الطرق والأشجار.

ويُشاهد هؤلاء آلاف الساعات من مقاطع الفيديو صورةً بعد أخرى لوضع تسميات وتعليقات تشرح الصور، وسيستمر عملهم لفترة بسبب التغير المتواصل في البيئات الخارجية التي تتحرك فيها السيارات ذاتية القيادة. ويعمل أغلبهم بدوامٍ جزئي وفي كثيرٍ من الأحيان في الهند والصين بعيدًا عن مقرات الشركات الرئيسية في الولايات المتحدة.

ويُشكل الشرح البشري أساسًا لمختلف أنظمة الذكاء الاصطناعي؛ نظرًا لأن البرمجيات تتعلم من خلال استيعاب قدر هائل من المعلومات المشروحة وتكوين نموذج تعتمد عليه في اكتشاف نفس العناصر والأنماط حين تراها مُجددًا.

يتولى موظفون شرح محتويات الصور كي تتمكن أنظمة الذكاء الاصطناعي في السيارات ذاتية القيادة من تحليلها وتحديدها حين تراها مُجددًا

يتولى عاملون متخصصون شرح محتويات الصور كالمشاة والدراجات والأرصفة؛ كي تتمكن أنظمة الذكاء الاصطناعي في السيارات ذاتية القيادة من تحليلها وتحديدها حين تراها مرة أخرى

وتزداد صعوبة التحدي في تدريب السيارات ذاتية القيادة؛ بسبب التنوع الكبير في المواقف التي قد تتعرض لها المركبات. وحتى مع إمكانية التكيف مع تغير الإضاءة والطقس بحسب أوقات اليوم وفصول العام قد تنقلب البيئة الحضرية بين لحظة وأخرى بسبب الإنشاءات أو الحوادث الطارئة.

كما أن مستوى الدقة اللازم للسيارات ذاتية القيادة يفوق أنظمة الذكاء الاصطناعي الأخرى، وتُعد السلامة أمرًا بالغ الأهمية؛ فمن الممكن تقبل أخطاء نظم التعرف على الصور في اكتشاف وجود شخصية أو عنصر بعينه في الصور، لكن إذا أخفقت سيارة ذاتية القيادة في اكتشاف المشاة في الطريق فسيكون الخطأ قاتلًا. وتستخدم هذه السيارات كاميرات وأجهزة استشعار لإدراك ما يُحيط بها ومُقارنته بخرائط مُفصلة ثلاثية الأبعاد مدمجة في برمجياتها.

ووسط السباق لتطوير سيارات ذاتية القيادة تعتبر الشركات عدد الأميال التي تقطعها سياراتها ضمن مقاييس التقدم. وفي مايو/أيار أعلنت “وايمو” Waymo، شركة السيارات ذاتية القيادة التابعة لشركة “ألفابت”، أن سياراتها ذاتية القيادة قطعت ثلاثة ملايين ميل في الطرق العامة. وقالت شركة “تسلا” أنها جمعت بيانات عن مائة ميل من القيادة من مركباتها الحالية؛ للمساعدة في تطوير نظام “أوتو بايلوت” للقيادة الآلية.

ويتبع كل ميل تقطعة السيارات قدرًا كبيرًا من عمل معالجات البيانات؛ فقد تُنتج القيادة لأميال قليل عشرات الجيجابايت من البيانات، وتُستخدم الأقراص الصلبة لتخزين البيانات وإرسالها إلى مراكز خارجية. وهي إجراءات عتيقة الطراز مُقارنةً بمجال بالغ التقدم.

وقد يستغرق تحويل كل ساعة من قيادة السيارات إلى بيانات نافعة مئات الساعات، كما يقول ديفيد ليو الرئيس التنفيذي لشركة “بلس. أيه آي” Plus.ai الناشئة المتخصصة في أنظمة قيادة السيارات المستقلة. وأضاف أن حرية حركة السيارات ذاتية القيادة في أي مكان في العالم “تحتاج مئات الآلاف، وربما ملايين، الساعات من البيانات”، وهي مهمة تستلزم جهد مئات الآلاف من الأشخاص.

ولا تُفضل شركات التكنولوجيا الكبيرة الحديث كثيرًا عن العمل اليدوي اللازم للسيارات ذاتية القيادة. وكما قال دان ويلد، أستاذ علوم الحاسب والهندسة في “جامعة واشنطن” الأمريكية، يُحب الجميع مناقشة “سحر” تعلم الآلة.

لكن في إعلانٍ نادر تحدث أنتوني ليفاندوفسكي، المهندس السابق في “وايمو” و”أوبر”، عن فريق عمل يتبع “جوجل” في الهند، ويتألف ممن أطلق عليهم “الروبوتات البشرية” يضعون تسميات على صور تلتقطها خدمة “ستريت فيو”.

ويتكلف إنجاز هذه المهام كثيفة الاعتماد على الأيدي العاملة ميزانيات كبيرة، ويُقدر البعض تكلفة إنتاج خرائط لكل مدينة أمريكية وتحديثها مليارات الدولارات سنويًا. (اقرا أيضًا: الخرائط جبهة جديدة للمنافسة في عالم السيارات ذاتية القيادة)

التعلم العميق لتوجيه السيارات ذاتية القيادة

تطور شركات مثل “درايف. أيه آي” و”ديب ماب” تكنولوجيا التعلم العميق لتوجيه حركة السيارات ذاتية القيادة (الصورة من فايننشال تايمز)

وترى شركات ناشئة في هذا المجال فرصًا للربح منها “بلس. أيه آي” و”ديب ماب” Deepmap و”درايف. أيه آي” Drive.ai. وتستخدم جميعها تقنية التعلم العميق؛ للتقليل من الإسهام البشري مع توفير الدقة الضرورية لتعمل السيارات ذاتية القيادة بأمان. والتعلم العميق شكل أحدث وأكثر تطورًا من تعلم الآلة، ويُحاول محاكاة الأداء التحليلي للعقل البشري.

ويُشكك آخرون في إمكانية قضاء التعلم العميق على دور البشر في تصنيف البيانات والتعليق عليها. ومثلًا تعجز منصات الإعلام الاجتماعي مثل “فيسبوك” و”يوتيوب” و”تويتر” عن معالجة إساءة الاستخدام كالمضايقات الشخصية ودعوات الكراهية على الرغم من تطويرها لتقنيات التعلم العميق، كما أن أنظمتها أقل تعقيدًا من السيارات ذاتية القيادة، بحسب ما قال مات بينك، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة “مايتي. أيه آي” mighty.ai الأمريكية الناشئة.

وحاليًا تلجأ بعض الشركات إلى التعهيد الخارجي، وتعتمد أخرى على حشد المصادر من خلال خدمات مثل “أمازون ميكانيكال ترك”، لكن شركة “مايتي. أيه آي” تجمع بين الخيارين لتقديم “تدريب البيانات كخدمة” للشركات لأغراض مثل تحسين أنظمة السيارات ذاتية القيادة أو التجارة الإلكترونية.

وطورت “مايتي. أيه آي” تطبيق Spare5 للهواتف الذكية والحواسيب يُنجز من خلاله أشخاص عاديون مهامًا صغيرة مُقابل مبالغ مالية، مثل وصف الصور المستخدمة في تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي، وتُقيّم كل مشاركة بحسب معايير الجودة والدقة.

وتسعى أبحاث الذكاء الاصطناعي من مختلف التوجهات لتطوير قدرة أنظمة الحاسب على التعلم دون إشراف، كي تتمكن من تعليم نفسها دون مساعدة. لكن حتى يتحقق ذلك تُواصل شركات التكنولوجيا والسيارات تجاهل الحديث عن آلاف الأشخاص يعملون خلف ستار التكنولوجيا.

المصدر

الصور: 1 2 3