ما السبيل إلى توفير الوظائف في عصر الروبوتات؟

تتنافس الشركات لتخفيض الوقت والتكاليف اللازمة لعمليات الإنتاج كدلالة على الكفاءة، لكن ذلك لا يسلم من نتائج سلبية تتمثل في خسارة الكثير من الأشخاص لوظائفهم؛ نظرًا لأنه صار من المُمكن تحقيق نفس مستوى الإنتاج بعددٍ أقل من العاملين، وهي مشكلة يُتوقع تفاقمها خلال الأعوام المُقبلة مع تطور إمكانات الروبوتات والتشغيل الآلي.

وتشترك في الأزمة الاقتصادات المُتقدمة والناشئة على حدٍ سواء بدرجات متفاوتة، وحتى الاقتصاد الصيني الذي تميّز لفترة طويلة بتوفيره الكثير من فرص العمل يتنامى فيه دور الروبوتات وآليات التشغيل الآلي.

ويستوجب ذلك تغيير أساليب التنمية الاقتصادية كي لا ينتهي الأمر بمجتمعات تُعاني من مستويات خطيرة من البطالة وانعدام المساواة والأمن الاقتصادي. ولا يبدو أن نظم الإنتاج الصناعية الحالية ستُقدم ما يكفي من فرص العمل، فضلًا عن أن تكون جيدة، لتلبية الاحتياجات الحالية.

روبوت يتولى تجميع غسالة ملابس في مصنع بوش سيمنز في ألمانيا

يُهدد تنامي الاعتماد على الروبوتات بخسارة كثيرين لوظائفهم في قطاعات مختلفة. الصورة لروبوت يتولى تجميع غسالة ملابس في مصنع ألماني

ويرى لورينزو فيورامونتي، أستاذ الاقتصاد السياسي في “جامعة بريتوريا” في جنوب أفريقيا، أن سبيل الخروج من هذا المأزق هو تمكين الناس ليصيروا منتجين ومستهلكين في الوقت نفسه، ما يعني إنتاجهم أغلب الأشياء التي يحتاجون إليها من خلال أنظمة محلية للإنتاج وشبكات من الشركات الصغيرة. وبمقدور التقنيات الجديدة مثل المصادر المفتوحة والطباعة ثلاثية الأبعاد الإسهام في نجاحهم على نحو قد يُهدد الافتراضات التقليدية عن تفوق الشركات الكبيرة والوفورات المرتبطة بالإنتاج الضخم.

وتُواجه الاقتصادات الصناعية حاجةً ملحة لإعادة النظر إلى فكرة العمل، وهو ما يصدق أيضًا على الاقتصادات الناشئة. ومثلًا سيصل عدد سكان أفريقيا إلى 2.8 مليار شخص بحلول عام 2060 لتصير أكبر قارات العالم سكانًا، وسيكون معظمهم من الشباب في سن العمل. ولن يضمن تبنيها النموذج الصناعي توفير ما يكفي من فرص العمل اللائقة.

وهناك حاجة لتحويل الاهتمام عن حجم دورات الإنتاج والاستهلاك إلى نوعية العلاقات التي يقوم عليها النظام الاقتصادي. وبينما يقود اقتصاد النمو إلى استهلاكٍ واسع من خلال علاقات غير شخصية تربط المنتجين والمستهلكين وتتفوق الروبوتات في تقديمها، يعتمد اقتصاد الرفاهية أساليب أكثر تخصيصًا للتبادلات الاقتصادية، وتتحدد القيمة بناءً على التفاعلات الإنسانية.

وعلى سبيل المثال، يَعتبِر اقتصاد النمو الطبيب الأفضل هو من ينجح في فحص أكبر عدد من المرضى في أقل فترة مُمكنة، ومن الناحية النظرية تستطيع الروبوتات إنجاز جانب كبير من هذه المهام. وفي المُقابل، يعتبر اقتصاد الرفاهية الاهتمام الشخصي مفتاحًا لإنشاء القيمة في العلاقة بين الطبيب والمريض.

ويربط معظم الأشخاص قيمة الرعاية الصحية الجيدة بما يصحبها من اهتمامٍ شخصي. وكذلك بالنسبة للتعليم فلا يبدو دفع المعلمين لتدريس أسرع لعددٍ أكبر من الطلاب مقبولًا؛ إذ تُهدَر القيمة وسط الاستهلاك الضخم حتى إن حقق أرباحًا للمستشفيات والمدارس.

أوركسترا

لا يُفيد السعي دائمًا لتحقيق الإنتاجية بحد ذاتها، وتعتمد بعض الأنشطة المهنية على نوعية الأداء وليس السرعة أو الحجم كالفنون والتعليم والتمريض

ولا يعني ذلك التقليل من أهمية الإنتاجية ونفعها، لكن من المُهم التساؤل عن الغرض منها. وإذا قوضت الإنتاجية العلاقات الاجتماعية التي تُشكل أي اقتصاد، فسيتداعى الاقتصاد نفسه حتى إذا زادت مكاسب فرد أو فئة.

ولا يُمكن رفع إنتاجية بعض الأنشطة المهنية؛ نظرًا لاعتمادها في المقام الأول على نوعية الأداء. ومثلًا لن تؤدي زيادة سرعة فرقة موسيقية في العزف إلى تحسين عملها، بل ستقود إلى نتائج عكسية تمامًا. ويصدق الأمر نفسه على الرسامين والمعلمين والعاملين في التمريض وغيرها من الوظائف. ولذلك يتطلب عزف أوبرا لموزارت الآن نفس عدد العازفين كما في المرة الأولى التي قُدمت فيها.

ويُمكن التفكير في نماذج مختلفة لوظائف المستقبل؛ فبدلًا من روبوت ميكانيكي يضع قطاع الغيار في السيارة سريعًا، يتولى عامل مُؤهل إصلاح السيارة وتحديثها وإعادة استغلالها بشكلٍ إبداعي. وكذلك يُساعد مستشار شخصي الأسر على توفير احتياجاتها من الطاقة وتحسين استفادتها من الموارد الطبيعية بدلًا من تنسيق برنامج حاسوبي عن بُعد عمل الأجهزة المنزلية.

ومن المُمكن تحقيق الاقتصاد الدائري، الذي يتضمن تحسين الإنتاج والتخلص من الإهدار، بطريقتين؛ الأولى: سلاسل إنتاج تسودها الروبوتات، وحينها ستُهيمن أطراف قليلة على الاقتصاد العالمي، والثانية: شبكة من المهنيين المؤهلين والشركات الصغيرة يعملون ككيانٍ تعاوني، وستضمن هذه الطريقة التمكين والفرص المُتكافئة للجميع.

الصور: 1 2 3