كيف نُعِد الجيل المُقبل للعمل في اقتصاد الذكاء الاصطناعي؟

بالنسبة للأجيال الحالية تُعتبر السيارات ذاتية القيادة وتطبيقات المساعدة الرقمية التي تُتيح التحدث إلى الهاتف وتلقي الردود ابتكارات ثورية، لكن لدى الأجيال التالية ستتحول أنظمة الذكاء الاصطناعي عمومًا إلى أدوات معتادة في الحياة اليومية والعمل.

وتحتاج الأجيال التالية إلى تعليمٍ مُلائم لعصرٍ واقتصاد جديدين، ما يعني الحاجة إلى تعديل مناهج الدراسة وأساليب التدريس في مختلف المراحل. ولا ترجع أهمية تطوير التعليم إلى تعقيد التكنولوجيا الجديدة؛ ففي الأساس تتكون من تقنيات منفصلة يُمكن الاستفادة منها في تطبيقات متنوعة، وتحتاج أجيال الغد أساسًا إلى تعلم كيفية تكوين فرق عمل تتعاون سويًا وتُنسق مع غيرها. (اقر أيضًا عن متطلبات توافق التعليم مع وظائف المستقبل، والمهارات الضرورية للنجاح)

تعلم التعاون والعمل ضمن فريق

سيكون على أجيال المستقبل إجادة التعاون ومهارات كالإبداع والذكاء العاطفي لتُواكب متطلبات الوظائف في عصر الذكاء الاصطناعي

وفي ضوء تطور قدرات الذكاء الاصطناعي على إنجاز المزيد من الوظائف البشرية سيحتاج البشر إلى زيادة الاهتمام بميزاتهم الفريدة مثل مهارات التواصل الشخصي والإبداع والقدرة على التكيف. ويعني ذلك بالنسبة لمرحلة التعليم الابتدائي التركيز على تدريبات حل المشكلات والعمل التعاوني. (للمزيد: الذكاء العاطفي ضرورة في عصر الذكاء الاصطناعي)

كما يستحق تدريس الأخلاقيات المزيد من الاهتمام في جميع المستويات التعليمية، وخصوصًا مع مواجهة أنظمة الذكاء الاصطناعي الكثير من المعضلات الأخلاقية، ومنها كيفية استبعاد التحيزات العرقية والإثنية والجنسية من القرارات الآلية التي تتخذها خوارزميات وبرمجيات، وكيفية الموازنة بين مصالح ركاب السيارات ذاتية القيادة والمشاة، وهي مسائل تتطلب بحثًا دقيقًا في عملية اتخاذ القرار.

ومن المهم أيضًا الاهتمام بتدريس البرمجة لطلاب المدارس، على الرغم من أن باستطاعتهم اكتساب هذه المهارة لاحقًا. ومع ذلك فلا ينبغي التقليل من أهميتها في ظل تغلغل التكنولوجيا الرقمية في مختلف المجالات، وصارت علوم الحاسب جزءًا أساسيًا في الفنون والعلوم كما هو الحال مع مهارات الكتابة والرياضيات.

وسواءً فضل الطلاب دراسة علوم الحاسب أو غيرها فستُفيدهم البرمجة في أي تخصص يختارونه. ولذلك من المُلائم الاهتمام بالبرمجة في المرحلة الثانوية، وأقدمت الكثير من الدول على هذه الخطوة وبدأت بعضها مع أطفال المرحلة الابتدائية مثل أستراليا. وفي الولايات المتحدة تُقدم نحو 40% من المدارس دروسًا في البرمجة، ويتباين مستوى جودة الدروس ودقتها. (اقرأ أيضًا: هل من الضروري تدريس البرمجة لأطفال المدارس؟)

تدريس البرمجة لأطفال المدارس

يستفيد الأطفال من تعلم البرمجة سواءً اختاروا التخصص في علوم الحاسب أو أي مجال آخر؛ فمن ناحية تُعلمهم مهارات التفكير المنطقي ومن ناحية أخرى ترتبط بأغلب مجالات العمل

وعلاوةً على استفادة طلاب المدارس من دراسة علوم الحاسب، سيستفيد التخصص نفسه من خلال تشجيع أعداد أكبر وأكثر تنوعًا من الطلاب على الاتجاه إلى تخصص علوم الحاسب في الجامعة واختياره كمسارٍ مهني. وتحتاج علوم الحاسب إلى تشجيع انضمام النساء والأقليات و قوى عاملة أكثر تنوعًا.

ويتطلب النجاح في تدريس البرمجة التخلي عن أساليب فترة التسعينيات حين كان التركيز منصبًا على تفاصيل لغات البرمجة والتعليمات البرمجية، وهو أمر جعل دراسة البرمجة مهمة شاقة. والبرمجة نشاطٌ إبداعي في المقام الأول ينبغي أن يُثير اهتمام الطلاب. ومثلًا تُقدم مؤسسة “كشافة الفتيات” الأمريكية في مدينة نيويورك دورات استخدام لغة “جافا سكريبت” في تحسين مقاطع الفيديو كنشاطٍ مُمتع يرتبط باهتمامات الفتيات.

كما ينبغي على المدارس خلال المرحلة الثانوية أن تُتيح للطلاب مجالًا للاختيار بين دراسة الروبوتات والرياضيات الحسابية والفنون عبر الحاسب؛ لتُلائِم تنوع الاهتمامات والمواهب سواءً للراغبين في التوسع في دراسة علوم الحاسب أو تخصصات أخرى. (طالع عن: أهمية استمرار التعلم لمواكبة تطور التكنولوجيا)

وتشمل التغييرات اللازمة في أنظمة التعليم تقليل التركيز على دراسة التفاضل والتكامل لصالح الاهتمام بأقسام الرياضيات الأكثر صلة بعلوم الحاسب مثل الإحصاء والاحتمالات والرسم البياني والمنطق، وستكون جميعها مهارات بالغة النفع في مستقبل يعتمد على تحليل البيانات.

لكن ذلك كله بحاجة إلى تأهيل الأعداد الكافية من المعلمين المدربين على علوم الحاسب، وتستطيع الأقسام الأكاديمية في الجامعات وشركات التكنولوجيا الإسهام في هذا الشأن بتدريب معلمي العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات. بالإضافة إلى الحاجة إلى وضع معايير حكومية مُوحدة لتدريس علوم الحاسب في المدارس وإعداد الكتب الدراسية. وجميعها استثمارات ضرورية ومُثمرة على المدى الطويل.

المصدر

الصور: 1 2 3