هل صار العالم أقرب إلى التخلي عن الأموال النقدية؟

في السابع والعشرين من يونيو 1967 اسُتخدم أول جهاز للصراف الآلي في لندن، واليوم يُوجد أكثر من ثلاثة ملايين جهاز في مختلف أنحاء العالم، لكن الانتشار الواسع لن يضمن لها الأمان التام من تهديد بدائل النقود مثل البطاقات الائتمانية وخدمات الدفع الإلكترونية وخدمات الدفع عبر الهواتف المحمولة والعملات المُشفرة التي تتجنب سيطرة البنوك المركزية.

وربما يكون مُتوقعًا أن يكون مصير النقود تكرارًا لمسار الأشكال التقليدية من الصور والأفلام والموسيقى التي تراجعت لصالح البدائل الرقمية. لكن الاستبدال التام لن يكون سهلًا أو سريعًا، وسيقل الاعتماد على النقود في المستقبل دون أن تختفي تمامًا.

أول جهاز صراف آلي في العالم في لندن في 27 يوينو 1967

كشف السير توماس بلاند نائب رئيس بنك باركليز عن أول جهاز صراف آلي في لندن في 27 يونيو/حزيران عام 1967 وكان الممثل ريج فارني (أقصى اليمين) أول من سحب النقود

وبالتأكيد ستتراجع شعبية الأموال النقدية بسبب ارتفاع تكاليف استخدامها وتعدد الخيارات البديلة. وفي عام 2013 كانت النقود وسيلة لما يقرب من 85% من التعاملات المالية في العالم، وإن كانت الدول تتفاوت فيما بينها في استخدام النقود؛ فتُعد سنغافورة وهولندا وفرنسا والسويد بين أقل دول العالم اعتمادًا على الأموال النقدية، في حين أن دولًا مثل السعودية وماليزيا ومصر وبيرو تعتمد أساسًا على النقود، وتجري 1% فقط من التعاملات ببدائل أخرى.

وتُهيمن النقود على التعاملات المالية في بعض الاقتصادات المتقدمة مثل اليابان، ولا يزال حضورها واضحًا في الولايات المتحدة مُقارنةً مع دولٍ أوروبية؛ وفي عام 2015 مثلت النقود 13.1% من الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة، في حين شكلت 7.1% في فرنسا، و4.5% في سويسرا.

ومن بين دوافع تشجيع بدائل الأموال النقدية العدالة الاجتماعية في ضوء التكايف المرتفعة لاستخدام النقود، وخصوصًا مع تحمل الفقراء ومن يفتقرون إلى الحسابات المصرفية نصيبًا أكبر من تكاليف استخدام النقود. وفي الولايات المتحدة يتحمل المستهلكون ضرائب تنازلية تزيد قيمتها بالنسبة للأشخاص الذين لا يمتلكون حسابات مصرفية، ويدفعون رسومًا أكبر من غيرهم للوصول إلى أموالهم.

كما يستغرق الأكثر فقرًا وقتًا أطول في التنقل للحصول على الأموال النقدية. وفي المتوسط يستهلك الحصول على الأموال النقدية 28 دقيقة شهريًا، لكن يستغرق غير المتعاملين مع المصارف خمس دقائق إضافية، وتزيد إلى تسع دقائق بالنسبة للعاطلين عن العمل.

وفي المُقابل تُدافع بعض الدراسات عن منافع التخلي عن النقود لصالح البدائل الأخرى، ومنها منع استغلالها في تمويل الأنشطة غير المشروعة. وتسعى مبادرات عامة وخاصة للحد من هيمنة النقود على التعاملات المالية، وتتفاوت وتيرة تقدمها من بلدٍ إلى آخر.

وتُعتبر السويد البلد الأقرب إلى التخلي تمامًا عن الأوراق النقدية. ومنذ عقود تُشجع المصارف الخيارات البديلة وبدأت في ستينيات القرن العشرين اعتماد التحويلات الرقمية لدفع الأجور، وتنامت شعبية البطاقات الائتمانية منذ التسعينيات، ولاحقًا طورت أغلب المصارف الرئيسية تطبيق “سويش” Swish الذي يستخدمه ما يقرب من نصف السكان لإتمام التحويلات المالية الرقمية، كما يسمح القانون لمتاجر التجزئة برفض الدفع النقدي.

وازدهرت بدائل الأوراق النقدية في أماكن غير مُتوقعة مثل دولة أرض الصومال. وعلى الرغم من أنها واحدة من أفقر بلدان العالم، إلا أنها تتقدم في تقنيات الدفع عبر الهواتف المحمولة من خلال منصة ZAAD، ويُجري كل شخص في المتوسط 30 تحويل عبر المحمول شهريًا بفارقٍ كبير عن المتوسط العالمي البالغ 8.5 معاملة للفرد.

إلغاء الأوراق النقدية الكبيرة في الهند

أدى قرار الحكومة الهندية إلغاء التعامل بالأوراق النقدية الكبيرة إلى اضطراب في عمل الشركات وتزاحم على المصارف للحصول على النقود الجديدة

وشهدت الهند الخطوة الأكثر إقدامًا لتشجيع بدائل الأوراق النقدية؛ ففي شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2016 أصدرت الحكومة قرارًا بإلغاء التعامل بالأوراق النقدية من فئتي 500 و1000 روبية، ما يعني إلغاء 86% من النقود المتداولة في البلاد. واستهدف القرار مكافحة الفساد وتمويل الأشنطة غير القانونية.

وفي بلد يعتمد بنسبة 90% تقريبًا على التعاملات النقدية أدى القرار إلى تعطل عمل بعض الشركات وتأخر في دفع الأجور وصفوف انتظار طويلة أمام المصارف لاستبدال الأوراق النقدية القديمة بالإصدارات الأحدث، وربما كانت خدمات الدفع عبر الهواتف المحمولة أهم الفائزين وتزايد الإقبال عليها. لكن ذلك لم يُهدد تفوق التعاملات النقدية في الهند. وفي شهر مارس/آذار، أي بعد مضي ستة أشهر على القرار، ارتفع السحب النقدي بنسبة 0.6% عن العام السابق. (اقرأ أيضًا: دروس من تجربة الهند في استبدال الأوراق النقدية)

ومن المُمكن تفسير تفضيل النقود على الرغم من ارتفاع تكاليفها وتعدد البدائل بتفردها بين آليات الدفع الأخرى؛ فيستطيع الأشخاص تبادلها في أي وقت وأي مكان دون الحاجة إلى أطراف وسيطة، ولا تعرف الأوراق النقدية حامليها ولا تهتم بموقع التبادل أو وقته. وتُقدم هذه الحرية قدرًا غير قليل من الخصوصية والشعور بالأمن.

وسيرفض بعض التجار تحمل تكاليف الأجهزة الجديدة. كما أن النقود تضمن قدرًا أكبر من راحة الاستخدام وتُلائم ظروفًا متنوعة بعكس التعاملات الرقمية وما يصحبها من مخاوف الاحتيال والقرصنة. وبطبيعة الحال ستتأثر مكانة النقود مع اعتياد المجتمعات على الخدمات الرقمية، وإن كان ذلك سيستغرق بعض الوقت.

واليوم بعد مضي نصف قرن على ابتكار آلات الصراف الآلي يبدو أنها ستحتفظ بوجودها لبعض الوقت، وسيكون من الصعب إنهاء العلاقة التاريخية بين البشر والأوراق النقدية قريبًا.

المصدر

الصور: 1 2 3

إضافة تعليق على المقاله