في أستراليا: تغيير في محتوى الرسائل القصيرة دفع المرضى للالتزام بمواعيد الكشف الطبي

في أستراليا نجح مستشفى في توفير نحو خمسين ألف دولار سنويًا بفضل زيادة التزام المرضى بمواعيد الكشف بعدما غيّر صياغة رسائل التذكير، وشجعت مؤسسة طبية المزيد من النساء على إجراء الفحص المُبكر للإصابة بالسرطان، كما نجحت محاولات دفع المعلمين للعودة سريعًا إلى صياغة مختلفة لرسائل التذكير تدفع المرضى للالتزام بالمواعيد في مستشفى أسترالي أعمالهم بعد التعافي من المرض.

ولم يتطلب إنجاز كل ذلك سوى تغيير في صياغة الرسائل التي تصل للجمهور المستهدف لتذكيرهم بمواعيد الكشف أو تشجيعهم على الفحص المُبكر أو التعافي السريع واستئناف أنشطتهم. وتولت المهمة وحدة “الرؤى السلوكية” Behavioural Insights في إدارة مجلس الوزراء في ولاية نيو ساوث ويلز الأسترالية.

وتهتم الوحدة بدراسة سلوكيات الجمهور، واستكشاف إمكانية تغيير السياسات والخدمات وطرق التواصل؛ بهدف دفع الأشخاص لتبني سلوكيات أفضل كالتوفير في استهلاك الطاقة والالتزام بسداد الضرائب، وتُحقق ذلك من خلال التشجيع غير المباشر والتعزيز الإيجابي أو ما يُشار إليه باسم نظرية الترغيب Nudge. ويرتبط عملها بتخصصات مختلفة مثل علوم النفس والاجتماع والاقتصاد السلوكي والعلوم العصبية وعلم الإنسان. (تعرف أيضًا على خطوات الاستفادة من العلوم السلوكية في حل المشكلات المجتمعية)

وفي حالة مستشفى سانت فنسنت، قدرت إدارتها خسارة 125 دولار أسترالي، ما يُساوي 49 دولار أمريكي، نظير كل موعد يغيب عنه المريض على الرغم من تذكيرها المرضى عبر الرسائل النصية القصيرة. واتضح أن إرسال التذكير ليس كافيًا، وأن لمحتوى الرسائل ذاتها أهمية أكبر.

واختبرت المستشفى سبعة نصوص مختلفة، وتبين أن أحدها قلل من تفويت المرضى لمواعيد الأطباء بنسبة 19%، وأسهم في توفير 66 ألف دولار أسترالي سنويًا أي ما يقترب من خمسين ألف دولار، وكانت رسالة بسيطة ومُباشرة تُوضح للمرضى أن تخلفهم عن الحضور يُكبد المستشفى مبلغًا مُحددًا وتقول: “إذا التزمت بالحضور في الموعد، فلن تُكلف المستشفى 125 دولار نخسرها عند غياب المريض”.

وعملت وحدة “الرؤى السلوكية” مع “معهد السرطان في نيو ساوث ويلز”، وبينت التجربة أن تعديل خطابات التذكير بإجراء فحص الإصابة بسرطان عنق الرحم أدى إلى حضور 7500 امرأة أكثر من المُعتاد في غضون ثلاثة أشهر من استقبالهم الخطابات، وكان مكسبًا هائلًا مقابل تكلفة بسيطة.

وفّر التزام المرضى بمواعيد الكشف لمستشفى سانت فنسنت نحو خمسين ألف دولار سنويًا بفضل تغيير صياغة رسائل التذكير

وفّر التزام المرضى بمواعيد الكشف لمستشفى سانت فنسنت نحو خمسين ألف دولار سنويًا بفضل تغيير صياغة رسائل التذكير

وخاض فريق “الرؤى السلوكية” تجربةً أكثر تعقيدًا تضمنت تشجيع معلمين مرضى على استئناف أعمالهم سريعًا، ونجح في تسريع عودة المعلمين إلى ممارسة العمل بنسبة 27%. واعتمد عدة أساليب أبرزها اثنان هما: التركيز على الرسائل الإيجابية التي تتناول الصحة والتعافي، وبدلًا من رسائل قديمة تتحدث عن إصابتهم، شجعت الصياغة الجديدة المعلمين على تناول الدواء والعلاج الطبيعي. وتمثل الأسلوب الثاني في حث المعلمين على وضع خطة والالتزام بها لاستعادة صحتهم.

وفي جميع المشروعات يتبع فريق “الرؤى السلوكية” ثلاث خطوات: الأولى: فهم واقع سلوكيات الناس عبر تحليل البيانات، وتنظيم ورش عمل، وإجراء المقابلات ودراسات استقصائية مع العاملين الأقرب إلى الجمهور، بالإضافة إلى الاستفادة من الدراسات الأكاديمية وآراء الخبراء.

تتمثل الخطوة الثانية في تحديد التغيير المُقترح في النظام القائم أو إضافة جانب جديد إليه بهدف تشجيع الناس على السلوكيات المرجوة. ويشمل التغيير أمورًا بسيطة مثل إعادة صياغة الرسائل النصية وأخرى أكثر تعقيدًا مثل إصلاح خدمة بأكملها أو تدريب العاملين. وفي هذه المرحلة تتعاون وحدة “الرؤى السلوكية” بشكلٍ وثيق مع الإدارات المعنية لاختيار إجراءات يُمكن تنفيذها وتطبيقها على نطاقٍ واسع.

وتُعنى الخطوة الثالثة باختبار آثار التغييرات المُقترحة على جزءٍ من الجمهور، وبيان ما تنطوي عليه من فوائد وتكاليف. وفي أكثر الأحيان تُستخدم التجارب المُنضبطة العشوائية لقياس التأثير. ومثلًا في تجربة تذكير المرضى بمواعيدهم مع الأطباء، يُقسَّم المرضى عشوائيًا إلى مجموعتين، تتلقى إحداهما التذكير الجديد، وتستقبل الثانية الرسالة القديمة. وتُحلل المستشفى بيانات كل مجموعة وتُقارنها للتحقق من أثر تغيير نص الرسالة.

ويستعين فريق “الرؤى السلوكية” بأساليب أخرى في الاختيار والتجريب. وعلى الرغم من تقديم التجارب المُنضبطة العشوائية أفضل الأدلة المُمكنة، إلا أنه قد لا يتيسر تنفيذها دائمًا؛ بسبب عراقيل قانونية أو أخلاقية أو نقص إمكانات أنظمة تكنولوجيا المعلومات.

وتُعد وحدة “الرؤى السلوكية” في نيو ساوث ويلز تجربةً بحد ذاتها، وكان لزامًا عليها في البداية إثبات قيمة عملها عبر نجاحات مُبكرة ساعدتها على النمو. وتأسست نهاية عام 2012 وكانت الأولى من نوعها في أستراليا، واستعانت بفريقٍ من وحدة مُماثلة في الحكومة البريطانية كانت آنذاك رائدةً في هذا المجال. ويُقدم الفيديو التالي لمحة مُختصرة عن عمل “وحدة الرؤى السلوكية” في حكومة نيو ساوث ويلز:

وفي الوقت الراهن يعمل فيها اثنا عشر موظفًا يتخصصون في العلوم السلوكية والسياسة الحكومية وعلم الاجتماع وأبحاث السوق وتحليل البيانات والأبحاث النوعية. ويرأسها الدكتور ألكس كينج منذ عام ونصف العام. ولفت كينج إلى ما يُميز السلوك الإنساني من تعقيد وحساسية بالغة تجاه تغير المواقف، ويرى أن عمل الوحدة ينطلق من بناء نموذج واقعي لتصرفات الجمهور.

ودرس كينج في الأصل الفيزياء الفلكية وعمل مع الحكومة البريطانية ووكالة “ناسا” لأبحاث الفضاء. ويعتبر أن عمله الحالي عودة إلى جذوره الأولى كعالم من خلال إعادة العلم، وإن كان مختلفًا عن الفيزياء والفلك، إلى الحكومة. ويجري حاليًا بحث تحويل وحدة “الرؤى السلوكية” إلى فرق فردية ضمن المؤسسات الحكومية بدلًا من عملها ككيانٍ مركزي.

المصدر

الصور: 1 2