الزيادة الطفيفة في الأسعار تقود إلى اختيارات صحية للطعام

تتعدد أساليب التشجيع على الالتزام بالأطعمة الصحية وممارسة الرياضة للحد من البدانة وتحسين الصحة، وتبدأ بالتوعية ولا تنتهي بقيود على البيع وضرائب، وتتفاوت فعالية كل منها في التأثير على سلوكيات الجماهير. وتقترح دراسة دور الزيادات الطفيفة في أسعار الأغذية غير الصحية في دفع جانب من المستهلكين لشراء بدائل أفضل.

وتعُد التوعية الخيار الأول، وتتضمن برامج التعليم وإلزام الشركات بنشر المعلومات الغذائية على أغلفة منتجاتها وإدراج المطاعم معلومات السعرات الحرارية في قوائمها. ومن دون التقليل من أهمية المعلومات، لم يثبت حتى الآن فعاليتها في دفع المستهلكين إلى البدائل الصحية.

ومثلًا قيّمت دراسة قرار مدينة نيويورك إلزام المطاعم بتضمين المعلومات الغذائية في قوائم الطعام، وبعد خمسة أعوام لم تتوصل إلى دليل على تأثر اختيارات المستهلكين بتوافر معلومات عن السعرات الحرارية في كل طبق. واتجهت محاولات أخرى إلى تقييد بيع الأطعمة السريعة بالقرب من المدارس وزيادة الأطعمة الصحية المُتاحة للطلاب، لكنها أساليب أقل انتشارًا، ولا تتوافر الكثير من الدراسات حول فعاليتها.

ويُمثل فرض الضرائب الأداة الأكثر إثارة للجدل في أيدي الحكومات، ومنها فرض ضرائب خاصة على السكريات والدهون لجعل منتجاتها أغلى سعرًا. ويُشير المدافعون عن هذا الأسلوب إلى نجاعته في مكافحة تعاطي التبغ، بالإضافة إلى إمكانية توجيه عائدات الضرائب لتغطية النفقات الصحية ذات الصلة بالسمنة، وتتراوح في الولايات المتحدة وحدها بين 147 إلى 210 مليار دولار سنويًا.

وبطبيعة الحال تُواجه الفكرة معارضةً قوية من الشركات. وفي كثيرٍ من الأحيان تعتبر الآراء المعارضة أن الضرائب تُخضع المسؤولية الشخصية للقيود الحكومية. وعلاوةً على ذلك، من المُرجح أن تتأثر الأسر منخفضة الدخل سلبًا بالضرائب على الأغذية أكثر من غيرها. وفي الولايات المتحدة تنتشر السمنة أكثر في أوساط الفقراء والأقليات.

كما أن نجاح الضرائب على الأغذية في التأثير على السلوكيات ليس مضمونًا. ويرجع ذلك إلى الاعتقاد أن ارتفاع قيمة الضرائب شرطٌ لازم لضمان فعاليتها. وفي الواقع فإن فرض ضرائب باهظة ليس حلًا عمليًا.

وحللت دراسة “هل ستنجح ضريبة الدهون؟” بيانات ستة أعوام عن مبيعات الحليب في أكثر من 1700 متجر في الولايات المتحدة، وسعت لاختبار مدى تأثير التغيرات الطفيفة في الأسعار على اختيار المستهلكين للبدائل صحية.

تختلف فئات الحليب بحسب ما تحتويه من دهون بين كامل الدسم والخالي من الدسم

تناول البحث مبيعات الحليب في 1700 متجر على مدار ستة أعوام لاكتشاف مدى تأثر قرارات المستهلكين بالأسعار وارتفاع أثمان أنواع الحليب الأعلى في نسب الدهون

واختارت الدراسة مبيعات الحليب لسببين؛ أولهما: توصية وزارتي “الصحة والخدمات الإنسانية” و”الزراعة” الأمريكيتين بتناول اللبن قليل الدسم بعد عمر السنتين. والثاني: اختلاف أسعار الحليب بحسب المتاجر والمناطق؛ فتُحدد بعضها سعرًا ثابتًا لجميع أنواع الحليب بغض النظر عن اختلاف درجات الدهون، بينما تتباين أسعار الأنواع المختلفة في متاجر أخرى ويُباع الحليب كامل الدسم بسعرٍ أعلى مُقابل السعر الأقل للنوع الخالي من الدسم.

وتبين تفضيل المستهلكين في المتاجر التي تُوحد الأسعار شراء الحليب كامل الدسم أكثر من بقية الأنواع، بينما في المتاجر الأخرى التي تبيع الحليب كامل الدسم بسعر أعلى قليلًا تصدر الحليب بنسبة 2% من الدسم تفضيلات المستهلكين.

وعند دراسة تأثير عوامل مثل الدخل والعمر والتعليم على خيارات المستهلكين، كان الدخل أشدها تأثيرًا؛ وعند توحيد سعر أنواع الحليب مختلفة الدسم فضلت النسبة الأكبر من المستهلكين شراء الحليب كامل الدسم، وتجلى ذلك أكثر في المناطق ذات الدخل المنخفض، واستحوذ النوع عالي الدهون فيها على 52% من السوق مُقابل 25% من أسواق المناطق ذات الدخل المرتفع.

لكن حين ارتفع سعر الحليب كامل الدسم قليلًا، بمقدار 14 سنت لكل جالون أو 3.7 لتر، فضل المستهلكون في الأحياء الأفقر الخيارات الأخرى من الحليب الأقل سعرًا والأقل في نسبة الدسم. ويُشير ذلك إلى تأثير الاختلافات الطفيفة في السعر على خيارات الأشخاص.

تأثير ارتفاع الحليب كامل الدسم على خيارات المستهلكين

بينت النتائج أن ارتفاع سعر الحليب كامل الدسم (حتى بمقدار .14 دولار) دفع المستهلكين وخصوصًا الأقل دخلًا منهم إلى تفضيل حليب أقل دسمًا وسعرًا

وتأكد دور السعر في التأثير على خيارات الأشخاص عند البحث في طبيعة الإقبال على المياه الغازية العادية والأخرى الخالية من السكر، وتبين عدم وجود اختلاف في الإقبال على نوعي المشروبات الغازية في المناطق التي تُباع فيها جميع أنواع الحليب بنفس السعر والمناطق التي تزيد فيها أسعار الحليب كامل الدسم عن غيرها.

وتُساند النتائج فكرة الضرائب التي تدفع الجمهور لاستبدال منتج مُحدد بآخر مثل الرقائق المخبوزة كبديل عن المقلية، وليس التخلي التام عن استهلاك فئة بأكملها. وتتميز هذه الطريقة بتخفيفها من الآثار السلبية لضرائب الغذاء؛ لأنها قد تجعل بعض المنتجات أرخص. وينبغي أن تُفرض الضرائب كزيادة في السعر عند مرحلة الشراء؛ لأن الضرائب على المبيعات أقل تأثيرًا على اتخاذ المستهلكين لقراراتهم.

وتُثبت الدراسة عدم الحاجة إلى فرض زيادات باهظة في أسعار المنتجات غير الصحية، بل يكفي تغيير طفيف في السعر لتوجيه الطلب بعيدًا عن المنتجات مرتفعة السعرات الحرارية، وخصوصًا للفئات الأقل دخلًا والأكثر تضررًا من تداعيات البدانة.

المصدر

الصور: 1 2 3

إضافة تعليق على المقاله