كيف تُدير بلدة أسبانية شؤونها عبر “تويتر”؟

تستخدم الحكومات طرقًا شتى في التواصل مع مواطنيها ابتداءً من الاجتماعات العامة والمكالمات الهاتفية والرسائل المكتوبة وصولًا إلى البريد الإلكتروني والإعلام الاجتماعي، لكن بلدة خون الأسبانية AyuntamientoJun@ لم تكتفي باستخدام “تويتر” لإعلان أنباء عاجلة أو تلقي الاقتراحات، بل تعتمد على موقع التدوين المُصغر في إدارة الكثير من شؤونها وتعتبره وسيلةً أساسية للتفاعل مع المواطنين.

وبدأت التجربة اللافتة لخون Jun في مقاطعة غرناطة عام 2011، وحينها شجع عمدة البلدة خوسيه أنطونيو رودريغيز سالاس جميع الموظفين من نائب العمدة وحتى عُمّال النظافة على فتح حسابات في “تويتر” والكتابة عن مهامهم اليومية وعرض الخدمات الحكومية الأساسية؛ سعيًا لتعزيز الشفافية في الحكومة المحلية. واختار “تويتر” لما يسمح به من تفاعلات سريعة مُقارنةً مع “فيسبوك”.

كما حث المواطنين على التسجيل في “تويتر” وزاد الإقبال تدريجيًا، وفي الوقت الراهن يستخدمه نحو نصف سكان البلدة البالغ عددهم 3500 شخص، وتُشجع إدارة خون مواطنيها على توثيق حساباتهم لدى مجلس البلدية. وحين رُزق العمدة بطفلته مارتينا في أبريل/نيسان 2016 سجل باسمها حسابًا في “تويتر” يوم مولدها.  كما يتلقى المسنون دروسًا لتعلم استخدام الموقع.

مبنى بلدية خون، أسبانيا بسحاب البلدة في تويتر

مبنى بلدية خون يحمل حسابها في موقع “تويتر” مثلما يُبرز أعلام الاتحاد الأوروبي وأسبانيا ومنطقة أندلسية وعلم خون

ومع مُضي الوقت تحول “تويتر” إلى علامة مميِّزة في خون؛ فعلى مبنى البلدية وعربات الشرطة وجمع النفايات عناوين حساباتها في “تويتر”، وفي البلدة مسلة يُزينها طائر “تويتر” الأزرق، وفي مكتب العمدة شعار “تويتر”، وصار الموقع خيارًا أساسيًا لسكان خون عند تقديم اقتراح أو شكوى؛ فيُمكنهم ببساطة إرسالها مباشرةً إلى العمدة أو الشرطة أو الموظف المُختص. وفي سلسلة من ثلاث تغريدات تعود لعام 2014 كتب أحد السكان تغريدة يشكو من تعطل مصباح في شارع معين وأشار فيها إلى حساب العمدة.

ورد العمدة بعد تسع دقائق يُعِد بتولي عامل الصيانة إصلاح المصباح في الغد وأشار إلى حساب الكهربائي في “تويتر”، وبذلك صارت التغريدة التزامًا من الإدارة باتخاذ الإجراء المناسب. وفي اليوم التالي نشر العامل تغريدة يُعلن فيها إصلاح المصباح، وأرفقها بصورة وشكر المواطن لإبلاغه عن العطل. واستغرقت المشكلة، مع بساطتها، خطوات بسيطة ورسائل لا يتجاوز أي منها مائة وأربعين حرفًا فقط، وتُدلل على إمكانية بناء الشبكات الرقمية حلقات تفاعل أسرع وأكثر كفاءة من الوسائل التقليدية.

وفي حين تحرص الكثير من الحكومات والقادة على إبراز أصواتهم في مواقع الإعلام الاجتماعي، إلا أن صفحاتهم تتحول في أحيانٍ كثيرة إلى لوحات إعلانية تنشر أخبارًا وآراء من طرفٍ واحد، ويصير تفاعل المسؤولين مع رسائل المواطنين حدثًا يلفت انتباه وسائل الإعلام، بينما تحول إلى مسار طبيعي لحكومة خون، وبات تأخر رد العمدة على تغريدات المواطنين حدثًا يستدعي الاهتمام.

بلدة خون، أسبانيا

ينشر الموظفون في خون تغريدات تُظهِر أنشطتهم ومهامهم اليومية ما يدفع السكان لتقدير جهودهم ويُحوّلهم أحيانًا إلى مشاهير في مجتمعهم الصغير

ويدعم التفاعل بين الحكومة والجمهور في منصة مفتوحة مثل “تويتر” مبدأ المكافأة والعقاب؛ فتسمح هذه الشفافية المشتركة بإخضاع أداء الحكومة لتدقيق عام. ومثلًا إذا لم يتم إصلاح المصباح سيعرف الجميع إهمال الموظف المسؤول، وهو أمر سيدفعه للانضباط وربما يُكلفه وظيفته إذا استمر في سلوكه.

وفي الوقت نفسه سيبرز الأداء الجيد، ويجلب لصاحبه الإشادة ومكافآت تبدأ من تفضيل التغريدات وإعادة نشرها، وحتى نيل مكانة في المجتمع المحلي الصغير لبلدة خون، وهو ما جرى لعامل النظافة الذي تحول إلى نجمٍ في مجتمعه بفضل ظهور عمله اليومي في “تويتر”. (اقرأ أيضًا: هل يُسهِم الإعلام الاجتماعي في تعزيز التواصل بين الحكومة والمواطنين؟)

ويُشيد العمدة رودريغيز سالاس بأثر استخدام “تويتر” في الخدمات الحكومية على زيادة الكفاءة والتخلص من أعباء المكالمات الهاتفية وخفض النفقات، ومنذ عام 2011 نجحت البلدة في تخفيض 13% من ميزانيتها السنوية أي ما يُعادل 380 ألف دولار، وتقليل عدد ضباط الشرطة من أربعة إلى ضابط واحد. ويتلقى ضابط الشرطة الوحيد في خون عشرات التغريدات يوميًا من المواطنين منها شكاوى بسيطة عن إزعاج الجيران وبلاغات عن عنف أسري وحوادث سيارات.

شرطة خون، أسبانيا

أسهم اعتماد خون على “تويتر” للتواصل مع المواطنين في تقليصها أعداد ضباط الشرطة بنسبة 75% ويتلقى الضابط الوحيد في البلدة بلاغات المواطنين عبر “تويتر”

ويستخدم المواطنون “تويتر” للتعليق على القضايا المحلية، وخلال اجتماعات البلدية التي تُبَث مُباشرةً على الإنترنت يُشارك البعض باقتراحاتهم وتعليقاتهم عبر التغريدات، وتُعرض على شاشة ليراها الحضور.

وبالإضافة إلى دوره كأداة للتواصل بين المواطنين وحكومتهم المحلية يُشكل “تويتر” جزءًا من الحياة اليومية لسكان خون، وينشرون من خلاله الفعاليات الاجتماعية والثقافية وقائمة الغداء اليومية في المدرسة المحلية، ويُتابعون الفرق الرياضية والأخبار، ويحجزون مواعيد الأطباء، ويتواصلون مع بعضهم البعض.

ويُؤمن العمدة رودريغيز سالاس، الذي انُتخب للمرة الأولى في عام 2005 وشغل قبلها منصب نائب العمدة، بدور التكنولوجيا الرقمية والابتكار في تحقيق الشفافية والمشاركة المجتمعية، وأقنع السكان من قبل باعتماد علم جديد يحمل شعار خون “الحب” مكتوبًا بالشفرة الثنائية التي تتألف من الأصفار والآحاد. ولا تُعد هذه التجربة الأولى لخون مع التكنولوجيا فطبقت نظام التصويت الإلكتروني وتبث اجتماعات مجلس البلدية على الإنترنت.

الرئيس التنفيذي السابق لتويتر ديك كوستولو أثناء زيارته لمدينة خون في أسبانيا

الرئيس التنفيذي السابق لتويتر ديك كوستولو أثناء زيارته لبلدة خون في أسبانيا

ويتفق كثيرون على التأثير الإيجابي لاستخدام “تويتر” على البلدة كوسيلة سهلة للتواصل وإنجاز التعاملات الحكومية. لكن لا تسلم التجربة من انتقادات؛ إذ يرى البعض أن على المسؤولين تركيز جهودهم على تحسين الخدمات أكثر من ترويج حساباتهم في “تويتر”، وانتقد آخرون كتابة الموظفين أمورًا شخصية في حساباتهم، فضلًا عن تحفظات على تقليص العمالة لصالح الاعتماد على خدمة أجنبية.

أما العمدة نفسه، الذي يُطلق على “تويتر” مجتمع اللحظة، فرأى أن التواصل السريع عبر الموقع جعل المواطنين أقل صبرًا حيال الحكومة، ويتوقعون دائمًا استجابةً فورية لتعليقاتهم. وأشار إلى صعوبة مناقشة بعض المشكلات العامة في “تويتر” بسبب طبيعة الموقع.

وتتميز تجربة خون مع “تويتر” بجمعها بين التكنولوجيا والشعبية التي يتمتع بها العمدة رودريغيز سالاس وطبيعة البلدة الصغيرة. وحتى الآن لا يُمكن الجزم بإمكانية نجاحها في بيئات حضرية أكبر وأكثر تعقيدًا، وإن كانت تسلط الضوء على تطور دور الإعلام الاجتماعي في الإدارة الحكومية وتشكيل المجتمعات.

مسلة يعلوها طاشر "تويتر" الأزرق في خون، أسبانيا

تقف في خون مسلة يعلوها الطائر الأزرق، الرمز الشهير لموقع “تويتر”

الصور: 1 2 3 4 5 6